تراجع اهتمام وسائل الإعلام بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، بسبب الصدمة القوية التي تجتاح العالم العربي. مع ذلك يبقى هذا الصراع مركزيا، وقد يعرف تطورات مهمّة خلال الأسابيع القادمة.
بتاريخ 19 مايو الماضي، أثار الرئيس الأميركي باراك أوباما بعض الدهشة، عندما أيّد قيام دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967. وكان قد ألمح إلى تلك الفكرة في شهر سبتمبر 2010 أمام الجمعية العامّة للأمم المتحدة، مع الإشارة إلى "تبادل أراضٍ" يتفق حوله الطرفان.
والتأكيد على أنّه ينبغي على الفلسطينيين في المقابل، الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وقبول أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح. وفي نفس الخطاب انتقد أوباما بشدّة مشروع الفلسطينيين الإعلان عن دولتهم خلال انعقاد الجمعية العامّة القادمة للأمم المتحدة، بهدف "عزل إسرائيل في المنظمة الدولية".
بعد أقل من ساعة ونصف الساعة من ذلك الخطاب، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بيانا أعلن فيه أن "حدود عام 1967 لا يمكن الدفاع عنها". ثمّ أعاد تأكيد نفس الموقف بقوّة، أثناء لقاء له مع الرئيس الأميركي في واشنطن بعد يومين. لكن الأسوأ كان لاحقا مع خطاب نتنياهو أمام الكونغرس الأميركي بتاريخ 24 مايو الماضي، حيث عبّر مرّة أخرى عن حالة العمى السياسي لدى القادة الإسرائيليين.
لقد أغلق رئيس الوزراء الإسرائيلي أية إمكانية لاستئناف مفاوضات حقيقية مع الفلسطينيين، ودان بشدّة اتفاق المصالحة بين الفلسطينيين، الموقّع في القاهرة يوم 4 مايو بين فتح وحماس التي وصفها بأنّها "القاعدة الفلسطينية". لكن ما نسيه نتنياهو، هو أن الاتفاق ينصّ على تشكيل حكومة من التقنيين بحيث لا يكون فيها أي من الفصيلين، وأنّ الاتفاق لا يعارض منظور المفاوضات التي قد يقوم بها الرئيس محمود عباس. وبالتالي فإن الوصول إلى أي اتفاق سلام، سيكون ملزما لجميع الفلسطينيين بمن فيهم حماس.
صفّق أعضاء الكونغرس 26 مرّة لنتنياهو. وكان مشهدا مؤسفا رؤية البرلمانيين الأميركيين يدعمون تطرّف الحكومة الإسرائيلية، دون فهم أن السياسة التي تنتهجها تعزل إسرائيل أكثر من أي يوم مضى على المسرح الدولي. ويمكن تفسير الخطاب الإسرائيلي بأنه يهدف إلى إفشال إعلان الدولة الفلسطينية خلال شهر سبتمبر الحالي.
أمام حالة الانسداد السياسي التي ولّدها خطاب نتنياهو، لم يعد أمام الفلسطينيين أي خيار غير متابعة هذه المعركة. وللمفارقة هم الذين يحددون الزمن الدبلوماسي، مما يثير رعب الإسرائيليين وإدارة أوباما. هذه الإدارة ستجد نفسها في وضع حرج، إذا لم تتخذ مبادرات واكتفت بالخطابات التي يلقيها رئيسها ولا تجدي شيئا.
الرئيس أوباما يلوّح باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، في الوقت الذي يشكل قيام دولة فلسطينية جزءا من البلاغة الرئاسية. لكنه يحرص على القول باستمرار، إن إعلان الدولة الفلسطينية ينبغي أن يتم نتيجة مفاوضات، الأمر الذي يعترض عليه الطرف الإسرائيلي بشدّة. فهل البيت الأبيض مستعد للقيام بضغوط على الحليف الإسرائيلي؟ إن الأمر مشكوك فيه كثيرا.
هناك مظهر آخر للحرج الأميركي، ذلك أن فرضية اعتراض أوباما على الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، سيعني خسارة إعادة الروابط بين بلاده والعالم العربي ـ الإسلامي. ولا ينبغي أن ينتظر الرئيس أوباما تخلّي الرئيس عباس عن استراتيجيته، لسبب بسيط وهو أنه ليست لديه استراتيجية أخرى.
بالتأكيد ليس هناك من يعتقد أن مجرّد الإعلان عن قيام دولة فلسطينية بحدود 1967، سوف يحل جميع المشاكل الملموسة، اليومية أو الخاصّة بإقامة دولة. لكنه سوف يغيّر المعطيات في ما يتعلّق بالقانون الدولي. هكذا ستصبح المستعمرات الإسرائيلية مناطق احتلال لدولة ذات سيادة، مما قد يفتح المجال أمام اللجوء لمحكمة العدل الدولية وتدويل النزاع.
هكذا تُطرح اليوم مرّة أخرى، مسألة تحديد مدى تصميم ما يسمّى بالمجموعة الدولية على تطبيق القانون الدولي، وتصميم الرئيس أوباما على عدم الاكتفاء بإلقاء الخطابات. وبالتالي الانتقال إلى المبادرات الملموسة، الرامية إلى ممارسة ضغوط فعلية على إسرائيل.
وفي كل الحالات تبدو الأسابيع القادمة حاسمة، بالنسبة للشعب الفلسطيني.
رئيس تحرير المجلة الدولية والاستراتيجية ـ باريس