في سبتمبر الجاري ستدشن دولة الإمارات صفحة جديدة من صفحات مسيرتها نحو الديمقراطية، تلك الديمقراطية التي تحرص قيادتنا الحكيمة على ترسيخها في مجتمعنا فكراً وتطبيقاً، حيث تم ترشيح 468 مرشحاً لعضوية المجلس الوطني الاتحادي. وفي ظل الظروف التي يمر بها العالم من أزمات وتغييرات سياسية واقتصادية وتكنولوجية، وفي ظل التنمية الشاملة والمستدامة التي يمر بها بلدنا الحبيب، وفي ظل التحديات الأمنية في الشرق الأوسط ضمن منطقة تتصف بالاضطراب وعدم الاستقرار.

وفي ظل أزمات اقتصادية عالمية باتت تضرب الاقتصاد العالمي بجميع مفاصله، تبرز أمام المجلس الوطني الاتحادي القادم جملة من الاستحقاقات النيابية، وحزمة من الأهداف الوطنية التي لا بد من الإشارة إليها، من أجل أن تكون هناك رؤية خاصة بالمجلس الوطني الاتحادي، تسعى إلى رفعة وسمو الوطن، كهدف استراتيجي لا بد منه في المرحلة الراهنة والمراحل المقبلة.

أولا؛ الاستحقاقات النيابية: المطلوب أن تكون الديمقراطية في عملية انتخاب المجلس الاتحادي القادم، وفي طريقة اتخاذ القرارات داخله وتقدير المواقف والحالات التي تدخل في صميم عمله، ديمقراطية «منضبطة» وليست «ديمقراطية الفوضى» كما هو الحال في العديد من البرلمانات الأخرى، حيث الخلافات والمصالح الشخصية والاشتباكات الكلامية وتشكيل التكتلات بحسب المصالح والميول والانتماءات، هي سيدة الموقف في تلك البرلمانات، وكل ذلك تحت عباءة الديمقراطية.

فالديمقراطية التي نتوخاها في المجلس القادم، يجب أن تشتق من تعاليم ديننا الإسلامي وعاداتنا وقيمنا العربية الأصيلة، ومن تجربتنا في بناء الدولة التي أرساها الشيخ زايد رحمه الله. تلك الديمقراطية التي يجب أن نرى ملامحها في تنافس انتخابي شريف ونزيه، واحترام متبادل لوجهات النظر بين المرشحين، وتقبل الآخر والاستماع إلى وجهة نظره بكل رحابة صدر. والنقد داخل المجلس يجب أن يكون بنّاء ويستند على حجج وبراهين دامغة، والهدف منه المصلحة العامة ولا شيء غيرها، والابتعاد عن التكتلات الشخصية داخل المجلس لدوافع وأسباب قد تكون سياسية أو اقتصادية، فهذه التكتلات هي الطريق السريع لتعطيل عمل المجلس وعرقلة سير الحكومة في تحقيق أهدافها.

الاستحقاق الثاني، أن يكون المجلس الاتحادي منارة للديمقراطية التي ننشدها، فهو الذي يقوم بتعميم تجربته في الديمقراطية في جميع مفاصل الدولة، من مؤسسات رسمية وغير رسمية، وهو بذلك سيعزز أواصر العلاقة بين الشعب وقيادتنا الحكيمة، ذلك أن كل مواطن سيشعر بأن له صوتا يستطيع إيصاله إلى أعلى الجهات الرسمية، الأمر الذي سيدفعه إلى الاعتزاز بهذه القيادة الفذة، كما أن ترسيخ ثقافة الديمقراطية في المجتمع ستعمل على تهيئة الأجيال القادمة لممارسة العملية الديمقراطية بالنموذج الإماراتي الأصيل، بعيداً عن الديمقراطية المزيفة ذات الممارسات السلبية، التي تتم تحت عناوين الديمقراطية والحرية.

هناك من انتقد بعض المرشحين لعضوية المجلس الاتحادي، على أنهم لا يملكون الكفاءات العلمية اللازمة لأداء وظائفهم كأعضاء في المجلس، ونحن نقول إنه ليس العامل العلمي هو الوحيد في نجاح عضو المجلس في عمله، فهناك عوامل أخرى كالخبرات السابقة والنزاهة والشفافية وعنصر الوطنية والإخلاص في العمل، ومستوى امتلاك الرؤية الاستراتيجية لعضو المجلس، وإن كنا هنا لا نريد التقليل من أهمية الكفاءات العلمية، لكننا أردنا إبراز عوامل أخرى لا تقل أهمية عن الجانب العلمي، والواقع يقدم لنا شواهد عدة.. ألم يكن أوردوغان لاعب كرة قدم ثم نجح في قيادة تركيا وأوصلها إلى ما وصلت إليه؟

ونقول لهؤلاء؛ لا تضعوا العصي في عجلة التقدم، فبدل أن تنتقدوا الآخرين اعملوا بجد وإخلاص وبكفاءة من أجل بلدكم، حتى تتفوقوا على الآخرين وتفرضوا أنفسكم عليهم. وعليكم أن لا تنسوا أن هذه خطوة تأسيسية لمستقبل ديمقراطي واعد، وفق النموذج الإماراتي الذي تخطط قيادتنا الحكيمة لأن يكون نموذجاً يحتذى به في المنطقة، فالمثل الصيني يقول «مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة». فنحن في مرحلة إما أن تعمل بجد وتتفوق على الآخرين، وإلا فافسح المجال لغيرك ليبدع، فلا مكان بيننا للمشككين والمتقاعسين والاتكاليين، فنحن في ورشة عمل أبدية وضعنا فيها الشيخ زايد رحمه الله، فلا كلل ولا ملل إلى حين تحقيق أهدافنا الاستراتيجية. هذه هي ثقافتنا، وهذا هو نهجنا ولن نتراجع عنه قيد أنملة، لأننا آمنا بهذا النهج الذي يرتبط بالفطرة الإنسانية الخيّرة وبالعقيدة الإسلامية السمحاء، ارتباطا لصيقاً.

ثانيا؛ الأهداف الوطنية: أبرز هدف وطني أمام المجلس الوطني القادم، هو طبيعة العلاقة مع السلطة التنفيذية، هذه العلاقة التي يجب أن تبنى على توازن دقيق بين عاملين، الأول هو ضمان تنفيذ السلطة التنفيذية لبرامجها بأكمل صورة، والثاني هو عدم إعاقة عمل السلطة التنفيذية بالشكل الذي يؤخر تنفيذ برامجها ويؤدي إلى خسائر جسيمة.

ويفضل أن يتكامل عمل المجلس الاتحادي مع عمل الحكومة، من خلال آلية خاصة تتضمن أن تقدم كل وزارة استراتيجيتها السنوية مشفوعة بميزانيتها المالية وقدراتها الحالية، إلى المجلس الاتحادي، حتى يتمكن الأخير من وضع برنامج متابعة منظم لعمل الحكومة، فهذا البرنامج سيمنع التدخلات والمصالح الشخصية وتصفية الحسابات من أن يكون لها مكان في المجلس الاتحادي، حيث ستستند عملية التقييم (البرلمانية) لأداء الحكومة، على دراسات وأبحاث وإحصائيات لا تقبل الشك أو التأويل، وبالتالي سيقيم المبدع على أنه مبدع، ويقيّم الجامد بأنه جامد لا يحمل نزعة التطوير.

لجان المجلس الاتحادي، كلجان السياسة الخارجية والدفاع والأمن القومي واللجان الاقتصادية والقانونية والخدمات، يفضل أن تعمل مع الحكومة كخلية نحل واحدة، من أجل ضمان أعلى مستوى من التنسيق في العمل، وتركيز الجهود الوطنية وتوحيد الاستراتيجيات، وبالتالي ترشيد النفقات. وحتى يتم ذلك، فالمطلوب أن تكون هناك رؤية استراتيجية للمجلس الاتحادي، لوضع الأهداف الخاصة به وتحديد الوسائل والإمكانيات الكفيلة بتحقيقها.

ولا بأس إذا كسرنا في نموذجنا الإماراتي، القاعدة المتعارف عليها من أن الحكومات دائماً ما تتململ من طلبات المجالس البرلمانية، فنجعلها قاعدة معكوسة خدمة لوطننا، بأن يكون البرلمان ظهير السلطة التنفيذية، ويكون الاثنان ظهير قيادتنا الحكيمة. فلا ضير من أن يمارس البرلمان عبر لجانه المختلفة، تقديم الاستشارات للوزارات، دون أن يتعدى ذلك إلى صفة الإلزام فيصبح خلطا في الاختصاصات.

وأخيرا نريد من المجلس الاتحادي القادم، أن يصنع لنفسه قنوات اتصال جماهيري متنوعة ليتفاعل مع حاجات الشعب وتطلعاته، ضمن حلقة تفاعلية متكاملة رباعية الأبعاد (القيادة ـ الشعب ـ المجلس الاتحادي ـ الحكومة)، حتى نصل إلى أعلى مستوى من الاندماج القومي والوحدة الوطنية.

ونحن على يقين بأن هذا المجلس لو أدرك استحقاقاته النيابية من منظور الأهداف الوطنية الملقاة على عاتقه، فإنه سوف يكون نموذجاً ديمقراطياً يمثل القدوة الحسنة لكل التجارب الديمقراطية اللاحقة لدول المنطقة.