للمرة الثانية يخوض شعب الإمارات تجربته الرائدة نحو الديمقراطية بثقة واطمئنان، في زمن يستجديها الكثيرون فلا يظفرون بأدنى استحقاقاتها. من حقنا أن نفخر إذاً بخطوتنا الثانية، بعد تجربتنا في العام 2006، في مسيرة التطور السياسي النوعي في الدولة، التي أرادها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله.
قبل سبع سنوات وفي مثل هذه الأيام، صعدت إلى بارئها روح باني دولتنا الحديثة، المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كرس حياته للعطاء المتواصل لشعبه، ونحن مع كل لبنة نضعها في صرح الديمقراطية، نقرّ بالفضل لذاك القائد الفذّ الذي وعى أن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان؛ وها نحن نحصد ما زرع: ممارسةً تتبدى معالمها أمام أعين أهل الإمارات والعالم، لتسهم في ضخ دماء جديدة للمجتمع، ولنساهم بذلك في بناء حلمه الجميل، رحمه الله، في دولة مثالية نموذجية.
هذه المرة انتخابات المجلس الوطني الاتحادي 2011، لها في نفوس الإماراتيين ووجدانهم مذاق آخر؛ فهي تجربة تزداد فاعلية وألقاً بحصر العملية الانتخابية بالتصويت الإلكتروني فقط، بدل الاقتراع التقليدي، بعد ما حققه هذا الأسلوب العصري من نجاح في الانتخابات الماضية، وضعنا في مصاف دول قليلة في العالم تتبنى نظام التصويت الإلكتروني في الانتخابات، كما جعل منها تجربة متسقة مع ما تشهده الدولة من نجاحات صاعدة في مسيرة التحول الإلكتروني، إذ يشير مصطلح «نظام التصويت الإلكتروني» المعتمد من اللجنة الوطنية للانتخابات، إلى تبني الوسائل التقنية الحديثة في مختلف مراحل عملية الانتخاب؛ بدءاً بإجراءات التعرف إلى الناخب قبل الإدلاء بصوته، مروراً بإدخال البيانات ومعالجتها وتنظيمها ورصدها، انتهاءً بفرز الأصوات، وإعلان النتائج إلكترونياً.
وكما يتميز هذا النظام بسهولة استخدامه من قبل الناخبين، فهو يتميز أيضاً بالكفاءة والسرعة، وبهامش ضئيل للغاية من الأخطاء، علاوة على أنه يوفر فرزاً دقيقاً للأصوات، ويضمن السرية المطلقة للناخب، إضافة إلى الوفر المادي في نفقات العملية الانتخابية وفرز الأصوات، والتخلص من رسوم الشحن البريدي لصناديق الاقتراع، يتوج ذلك كلّه ترسّخ الصورة الحضارية للدولة أمام العالم. أما الأشخاص الذين لا يجيدون استخدام الحاسب الآلي، فلا عذر لهم في زمن التحول الإلكتروني، إذ سيتم تدريبهم على استخدام نظام التصويت الإلكتروني مسبقاً، وكذلك سيقوم مسؤول لجنة مركز الانتخابات وبحضور أحد أعضائها، بإثبات رأي المكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة، وفق النظام المتبع في التصويت.
من المنظور التاريخي، ظهرت أشكال من التصويت الإلكتروني في ستينيات القرن الماضي، عندما استخدمت الولايات المتحدة الأميركية آلات لحصر الأصوات فقط، عبر حصر عدد البطاقات (المثقبة) للناخبي، بينما خطت بلدانٌ، مثل البرازيل ثم الهند، خطواتٍ متقدمةً في التصويت الإلكتروني، عندما استخدمت لتحقيق الهدف نفسه أنظمة مباشرة لتسجيل التصويت الإلكتروني، في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في العامين 2000 و2004 على التوالي، ففي الهند، شارك ما يزيد على 370 مليون ناخب إلكتروني في الانتخابات الاتحادية العامة في إبريل 2004، من بين 675 مليون ناخب يحق لهم التصويت، ما مثل أضخم ممارسة للتصويت الإلكتروني حول العالم، وأكبر اختبار لمصداقية هذه التقنية يجري في انتخابات مباشرة.
كذلك استخدمت أستونيا وسويسرا هذه الأنظمة، وأنظمة إلكترونية أخرى للتصويت الإلكتروني عن بعد، باستخدام الهاتف والإنترنت والرسائل النصية القصيرة، على الرغم من أن سويسرا قررت الانقطاع عن خدمة الرسائل النصية القصيرة في العام 2007، بسبب تدني شعبيتها، وبسبب الحاجة إلى جعل التصويت الإلكتروني أقل تعقيداً.
مرة أخرى، نثبت للعالم أننا دولة متحضرة لا يتوانى قادتها عن تسخير أحدث السبل لرفاهية شعبها ولعيشه الكريم؛ ويكفينا أننا من بين دول قليلة على مستوى العالم، خاضت تجربة التصويت الإلكتروني كخطوة نحو عهد «الديمقراطية الإلكترونية»، مستفيدين طبعاً من البنية التحتية التقنية القوية لدينا، ومن رصيد تجربتنا الناجحة التي وفرها لنا التحول الإلكتروني على مستوى الدولة.
إن ثمة مساحة مشتركة قائمة بين الحكومة الإلكترونية وبين نهج الديمقراطية، تظهر في إطار تحقيق المفاهيم التي تنادي بها الحكومة الإلكترونية: «الشفافية» والعدالة وتوفير عنصر النزاهة؛ فالقنوات الإلكترونية لا تحابي أحداً على أحد. تجربتنا في التصويت الإلكتروني جديرة بأن تدرس نتائجها بعناية، لتطويرها في المرات المقبلة، ولعل نظام التصويت عن بعد يمكن أن يكون بالفعل حلاً في المستقبل، للإماراتيين الراغبين في التصويت وهم خارج الدولة.