رغم المعارك الكلامية التي فجرتها مذكرات ديك تشيني بينه وبين رموز إدارة بوش، إلا أن الأهم من تلك المعارك هو أن تشيني أقر بنفسه في تلك المذكرات، ما كان يعرفه الكثيرون. فالرجل كشف عن مدى دمويته، وأقر بالجرائم التي ارتكبت في عهد بوش، بل ودافع عنها، وبالتالي أسهم بشكل مباشر في توثيق صفحة من تاريخ أمريكا، تم فيها انتهاك الدستور والقانون الأمريكيين، بل والانقضاض على الديمقراطية الأمريكية ذاتها.
فنائب الرئيس الأمريكي السابق ديك تشيني، كال اتهامات بالجملة لرموز الإدارة الذين اختلفوا معه أثناء حكم بوش، وهو الأمر الذي يؤكد ما هو معروف عن الرجل من الضيق بالاختلاف معه في الرأي. ونوعية الاتهامات نفسها تكشف عن طبيعة شخصية واحد من أهم من كان في يدهم صنع القرار الأمريكي، على مدى سنوات كاملة. فالاتهام الرئيسي الذي وجهه تشيني لكولين باول، كان أنه "كان ينتقد سياسات الإدارة في دوائر خارجها"، وكأن انتقادات كولين باول لتلك السياسات لم تكن معروفة أصلا داخل الإدارة وخارجها، بل بلغها باول بنفسه لبوش! ثم إن الانتقادات التي وجهها باول لمخطط غزو العراق، لم تمنع الأخير من أن يمتثل الطاعة العمياء بمجرد أن اتخذ الرئيس القرار، وذهب بنفسه للأمم المتحدة ليلقي الخطاب الشهير الذي قدم مبررات ملفقة لغزو العراق.
أما الاتهامات التي وجهها تشيني لكوندوليزا رايس، فهي تكشف عن جانب آخر من شخصية الرجل. فهو استخدم مفردات لا يستخدمها سوى الذين لا يكنون احتراما للمرأة. فمن بين كل المفردات التي يمكن أن يصف بها إصرار كوندوليزا رايس على فكرة إجراء مفاوضات مع كوريا الشمالية بدلا من فكرة "محور الشر" الهزلية، لم يجد تشيني سوى تعبير "ساذجة"، وهو تعبير طالما استخدم لوصف مواقف النساء، وبالذات من الموضوعات "العويصة" التي يفترض أن تكون من شأن الرجال، للحط من شأنهن.
بل أكثر من ذلك، لم يتورع تشيني عن استخدام وسيلة تقليدية ممجوجة، هدفها ردع المرأة والتقليل من شأنها، وهي التأكيد حقا أو زورا على أنها تبكي في مواقف لا يبكي فيها الرجال. فقد قال تشيني في مذكراته، إن رايس بعد أن استجاب بوش لطلبها بالاعتذار علنا عن تقديم معلومات مزورة عن العراق في خطاب الاتحاد، عادت وزارت تشيني في مكتبه، وقالت له باكية إنه كان محقا حين حذر من مغبة مثل هذا الاعتذار.
غير أن أهم ما كشفت عنه المذكرات، كان دموية نائب الرئيس الأمريكي، وعدم تورعه عن انتهاك الدستور والقانون الأمريكيين. فالرجل الذي لم يخض حربا في حياته كجندي، دافع باستماتة عن احتلال العراق الذي راح ضحيته مئات الآلاف من العراقيين، ودمر بلاد الرافدين. وهو قال إنه دعا بوش بعد احتلال كل من أفغانستان والعراق، لقصف سوريا، وهو ما لم يستجب له بوش، لأن "أحدا غيره من رموز الإدارة المجتمعين وافق على الفكرة". وقد قامت إسرائيل بعد شهور قليلة بضرب الموقع السوري نفسه، الأمر الذي قد يعني تنسيقا وثيقا بين إسرائيل وجناح تشيني في الإدارة لتوجيه تلك الضربة. وتشيني أعلن أنه كان صاحب مبادرة التجسس على كل اتصالات الأمريكيين بأنواعها المختلفة، دون إذن قضائي. وهو البرنامج الذي فضحته الواشنطن بوست بعد سنوات من بدء العمل به.
وتشيني دافع في مذكراته عن استخدام التعذيب، بل وعن الاعتقال لأجل غير مسمى، دون محاكمة ودون حتى معرفة المعتقل بأسباب اعتقاله أصلا، وهو ما أدى لاختفاء أبرياء في غياهب السجون لسنوات طويلة، دون أن يعرف حتى أحد مكانهم.
وتؤكد مذكرات تشيني على احتقاره للرأي العام الأمريكي، وإصراره على التعتيم والسرية، بل وعدم إطلاع الرئيس بوش نفسه على بعض ما كان يفعله باسم الإدارة، إلا في اللحظات الأخيرة.
وفي كل ذلك، كان تشيني أيضا يقوض الديمقراطية الأمريكية ذاتها بانتظام. فهو رفض مرات متكررة، تقديم وثائق طلبتها المؤسسة التشريعية، المنوطة بها الرقابة على البيت الأبيض بموجب الدستور. وهو كان يؤمن بأن الرئيس يستطيع أن يفعل ما يشاء دون إخطار الكونغرس، وفق نظرية اخترعها بعض القانونيين من المحافظين الجدد، ورفضتها وفندتها الأغلبية الساحقة من أساتذة القانون الدستوري. بعبارة أخرى؛ قوض تشيني وفريقه، الديمقراطية الأمريكية ذاتها، عبر احتقار المؤسستين التشريعية والقضائية، وحرمانهما من ممارسة مهامهما الدستورية، التي تمثل قيدا على سلطات الرئيس.
لذلك كله لم يكن غريبا، حين تم الإعلان عن كل تلك الجرائم في عهد بوش، أن يرفض الأمريكيون الشرفاء العمل على عزل الرئيس (بوش) من منصبه قبل نهاية ولايته. فرغم يقينهم بأن ما ارتكبه بوش يكفي لعزله من منصبه، إلا أن عزله كان يعني تولي الرئاسة من نائبه تشيني، الذي كانوا يعلمون تماما أنه أكثر خطورة ودموية حتى من بوش نفسه.
ولم يكن غريبا، في ضوء كل ذلك، الحملة التي يقودها الكثير من النشطاء الأمريكيين هذه الأيام. فهم يزورون المكتبات الكبرى التي تبيع مذكرات تشيني، ويقومون بهدوء بنقل أكبر عدد ممكن من نسخ المذكرات من أرفف قسم "السياسة" إلى أرفف قسم "الجريمة". والحملة ذات دلالة رمزية، يعبر من خلالها النشطاء عن رفضهم لقرار إدارة أوباما بعدم تقديم رموز إدارة بوش للعدالة، ومن ثم يدعون إلى اعتبار تشيني متهما بجرائم اعترف بها بنفسه في مذكراته، مما يجعل مكان تلك المذكرات وسط الكتب التي تحكي عن جرائم لا بد أن يحاكم صاحبها بعد أن اعترف بها، لا سياسي يحتفى بتاريخه عبر قراءة مذكراته.