استوقفني أحد الإعلانات لشركة تروج لنوع من السيارات، وإذا بها لكي تؤكد للمشاهد متانة السيارة وصلابتها، تصور أحد الإرهابيين يسعى لتفجير السيارة بعد تفخيخها، إلا أن قوة جسد السيارة الخارجي تستعصي على الانفجار، ويخرج منها الإرهابي صفر اليدين خائب الرجى حزينا على فشله في تنفيذ ما أراده، إلى هنا لا شيء.. لكن الملفت أن مخرج الإعلان لم يرد أن ينهي الإعلان دون استخدامه استخداما مغرضا، ينتقل به من الإعلان التجاري الذي يهدف إلى الترويج للسيارة وتحقيق أعلى المبيعات، إلى الدعاية السياسية الرخيصة، وإن شئت الدقة؛ الدعاية السوداء التي تقطر حقدا على العرب، حيث ظهر من كان يريد تفجير السيارة وهو يلبس الغترة الفلسطينية، إشارة إلى جنسه العربي.

وتساءلت؛ لماذا هذا الإصرار على تشويه صورة العرب في الإعلام الغربي؟ وتسخير كافة الأشكال الفنية لتقديم صورة مشوهة والدق عليها بانتظام، حتى ولو كانت عبر الإعلان التجاري، في الوقت الذي قامت فيه الدنيا ولم تقعد حين تحدث أحد الكتاب البريطانيين عن المبالغة في تقدير أعداد ضحايا المحرقة النازية من اليهود، وفتحت عليه أبواب جهنم، وقدم للمحاكمة بتهمة معاداة السامية، ولم يشفع له اعتذاره وتراجعه عن مجرد وجهة نظر أبداها، وعوقب بالسجن لسنوات ثلاث في بلاد تدّعي الحرية لدرجة انتهاك كل مقدس والإساءة حتى إلى رسل الله؟!

وتكرر ذلك مع الكاتب الفرنسي رجاء غارودي حين كتب في الموضوع ذاته، وضاقت المطابع الأوروبية على سعتها، وتوقفت عجلاتها عن الدوران لنشر ما كتبه، بعدما كانت دور النشر تلهث وراء ما يكتبه حين كانت حرية الكتابة مفصلة على مقاس ما يعتقدون أو ما يريدون!

وليس هذا وليد اليوم، ولكنها حلقات متصلة في سلسلة مهاجمة وتشويه كل ما هو عربي، والشاهد إعلانات مساحيق الغسيل التي كانت تذاع في التلفزيونات الغربية في حقبة الاربعينات، وكان مضمون أحدها يقول "إن هذا المسحوق ينظف كل شيء حتى ثوب العربي"! حتى صارت هذه الصورة النمطية شائعة، يتوارثها الصغير عن الكبير في مجتمعات تعتمد على وسائل إعلامها في إمدادها بالمعلومات، دون أن تكلف نفسها عناء النظر حولها لرؤية الضفة الأخرى من النهر.

ولا أنسى يوم أن أخبرني أحد الاساتذة العرب، بأنه حين كان زائرا في إحدى جامعات أميركا أراد أن يعرف صورة العرب لدى الطلبة، فقال بعضهم لا نعرف عنهم سوى أنهم يتقاتلون بصفة مستمرة، فسقط في يده.

ولقد دأب الغرب على تصوير العرب على أنهم غير قادرين على الفعل، وأنهم أمة لا تقرأ، وإذا قرأت لا تعي ما تقرأه، وإذا وعت فإنها لا تفعل شيئا، على الرغم من بهتان قولهم الذي شهدت عليه نماذج عربية تعيش بين ظهرانيهم وحققت إنجازات عجز أصحاب البشرة الحمراء عنها، إلا أنهم يقدمونهم إلى المجتمع الدولي بجنسيتهم الجديدة، والمنصف منهم يشير إلى أصولهم العربية.. وقليل من يفعل ذلك!

لقد كشف كثير من الأحداث أن تشويه صورة العرب في الإعلام الغربي، يتم بصورة ممنهجة من أطراف مسيطرة، لها مصلحة في أن يستمر ذلك، لرسم لوحة كبيرة تجمع بين الضعف والتخلف والتطرف، وتكريس الصورة النمطية التي توضح أن العرب مصدر كل أشكال العنف، وأنهم لا يجمعهم إلا معاداة الديمقراطية وحرية الشعوب. ولا بأس من الدق على حقوق المرأة، من خلال تقديم نماذج مشوهة على أنها غالب وضع المرأة في العالم العربي، الذي نالت فيه المرأة حقوقا فاقت مثيلاتها في الغرب الذي تمتهن فيه بالعمل في الحانات ومحطات الوقود، وينظر إليها على أنها سلعة تجارية أو أداة يتسرى بها الرجل حتى يسأم منها.

يتم هذا في الوقت الذي يقدم فيه الإعلام العربي خدمات جليلة للغرب، حين لا يمل ليل نهار من عرض أفلامهم، التي لا تعدو أن تكون دعاية فجة لقوة الرجل الغربي وذكائه، عبر شخصيات "سوبر مان" الرجل الخارق، والأسرة الغربية التي تنعم دائما - حسبما يقدم في الأفلام - بمنزل جميل تحيطه الحديقة الغناء المزهرة، ولا بأس من أن تكون هناك أكثر من سيارة في الخارج، لكي يعتقد البسطاء من العرب أن الغرب هو جنة الله على الأرض، في حين أن فيه أحياء تخشى من مجرد السير فيها بمفردك، إضافة إلى حالة تكاد تصل حد المرض في تقليد البرامج الغربية ونسخها في قوالب عربية، وكأننا نعيش حالة من الغيبوبة الفكرية، حتى بات مألوفا أن تجد الفضائيات العربية برمتها وكأنها النسخ المعربة من القنوات الغربية، بحلوها ومرها!

ولا أقول هذا عن عقدة نقص أو شعور بالاضطهاد، فأنا أحد الذين تلقوا علومهم في الغرب، وعشت بينهم ردحا من الزمان، ورأيتهم من الداخل، لكني أعتز بعروبتي وهويتى الوطنية، وأثق في قدرات أبناء جلدتي الذين صنعوا حضارة علمت الدنيا يوم أن كان غيرهم من الأمم يسكن الكهوف.

ولا أنفي أن هناك أصواتا منصفة منهم، فهم ليسوا سواء، ولكنها قليلة وغير متاح لها التحدث والتعبير عن ما تراه، تحت ضغط آلة إعلامية كاسحة تسيطرعليها قلة معروفة توجهاتها وأجندتها، التي تسعى إلى تحقيق بنودها على حساب المعايير المهنية والأخلاقية.

لقد آن الآوان لأن تتغير هذه الصورة المشوهة عن العرب، ولن يتم ذلك إلا عندما يكون إعلامنا نابعا من عمق حضارتنا، معبرا عن هويتنا، بعيدا عن هيمنة أية تيارات إعلامية أخرى، غربية كانت أو شرقية، وأن نعترف بأن هناك خللا في خطابنا الإعلامي الموجه للغرب. وهذا يتطلب منا أن ننفتح على العصر، ولكن من خلال ثوابت وطنية تميزنا عن غيرنا، وأن نتعامل مع غيرنا إعلاميا بمطنق الثقة والندية، وطرح رؤية مستقبلية تحفظ للأجيال القادمة ثقتهم في تراثهم، وتهدف إلى تقديم صورة العرب وقضاياهم للغرب، بعيدا عن التزييف والتشويه.

تتوازى مع كل ذلك إرادة قوية، تكون الوقود لعمل متواصل يخرجنا من دائرة الاعتماد على أدوات الهيمنة الإعلامية من وكالات أنباء غربية دأبت على تشويه صورة العرب، وأن يكون لدينا الإصرار على كسر هذا الطوق، ليرى العالم صورتنا الحقيقية، ويسمع صوتنا باللغة التي يفهمها.