في أواخر نوفمبر 2008 صادق البرلمان العراقي على اتفاق أمني مع واشنطن، يقضي بانسحاب القوات الأميركية إلى خارج المدن العراقية أولاً، ثم إلى خارج العراق كلياً في غضون ثلاثة أعوام.
جاءت تلك المصادقة وسط تدافع وخلاف حادين داخل الأروقة السياسية الحزبية والطائفية، وظهر ذلك جلياً من تمرير الاتفاق في البرلمان بصعوبة بالغة، وبأغلبية محدودة جدا.
أيضاً، كان من دلائل عدم التوافق العراقي على هذا الشأن، اشتراط القوى السياسية محض موافقتها النهائية على الاتفاق، بإجراء استفتاء شعبي حوله، وهو ما لم يحدث حتى هذه اللحظة على حد علمنا.
راهناً، أوشكت السنوات الثلاث المحددة لتنفيذ الاتفاق على الاكتمال، ومع ذلك لا يملك طرفاه ترف أو شرف الادعاء بأنهما التزما بخريطة الانسحاب كما تضمنها، زمنياً ولوجستياً. ومن يتابع المساجلات العراقية والأميركية، يتأكد من أن هذه الفترة لم تؤد إلى انقطاع التناظر حول آفاق تطبيق هذه الخريطة، ولا سيما على صعيد المواقيت المناسبة لذلك.
ففي الرحاب العراقية تدور حوارات جادة، لكن بشكل هامس ودون الجهر من القول، بين عشرات من النواب العراقيين، عن كيفية التوفيق بين الحاجة إلى بقاء القوات الأميركية لوقت أطول، والتحرق للوصول بالعراق إلى شاطئ الاستقلال. ونلمس اللغط والحيرة ذاتيهما بين يدي المناقشات الأميركية الموصولة بجزئية الانسحاب من عدمه. وعلى سبيل الاستطراد المفيد، نلاحظ أن الارتباك الأميركي بخصوص هذه الجزئية، كان سيد الموقف منذ أعلن الرئيس باراك أوباما في خطابه في القاهرة، في صيف 2008، عن مغادرة العراق في مواعيد قريبة. ففي رد فعل سريع على طموح أوباما وتفاؤله، صدرت وقتذاك تلميحات عن مسؤولين أميركيين كبار، تؤكد أن الانسحاب المأمول لن يقع قبل أقل من عشرة أعوام.
وفي ذلك الحين كان رأينا، المستقى من رؤية شاملة لقصة غزو العراق من مبتداها إلى منتهاها، أميل إلى الأخذ بهذه التلميحات، والاعتقاد بصدقية أصحابها. وقد طرحنا هذا التقدير وفي خاطرنا مجموعة من المحددات والشواهد.. منها:
أولًا، عدم قدرة إدارة أوباما على تبرير التكاليف الفلكية للحملة العراقية، وقوامها أكثر من تريليون دولار، وما يزيد على أربعة آلاف قتيل وأربعين ألف جريح ومعاق، مقابل وعود بمكاسب لم يتحقق معظمها.
وثانياً، أن أية إدارة أميركية لا يسعها ضمان السيطرة على بحر النفط العراقي، بما قد يبرر الخسائر المذكورة، دون الوجود العسكري المباشر في الميدان العراقي.
وثالثاً، أن واشنطن فشلت في ترتيب الحالة العراقية وتصفيف أوراقها ومفرداتها من الداخل، ولم تتمكن من تقييد الدور الإيراني خارجيا، وأن السنوات الثلاث المتبقية لإنجاز الانسحاب، لن تكفي لتغيير هاتين الوضعتين إلى الأفضل.
ورابعاً، أن التحريض الصهيوني الإسرائيلي على استمرار الحضور العسكري الأميركي القوي في العراق، بهدف الضغط على أو تحجيم المد الإيراني وما يسمى بقوى الممانعة الإقليمية، لن يتوقف إلى حين زوال هواجس إسرائيلية أمنية تبدو غير قابلة للزوال.
السؤال الملح الآن: ما الذي تغير من تأثير هذه المحددات الصارمة في إطار المشهد الراهن، بما يفرض على المعنيين القناعة بجدية مقولة الانسحاب الأميركي الوشيك من العراق؟ الإجابة: لا شيء تقريباً. بل ولنا أن نذهب إلى تفاقم بعض هذه المؤثرات، على نحو يوجب التفكير في مد أجل الوجود العسكري هناك، كاستمرار المناكفات بين القوى العراقية إلى الدرك الذي يحول دون اكتمال هيكل الحكومة الحالية، فضلاً عن التحدي الأمني الضاغط، الذي يمثله حضور الميليشيات المناهضة لكل من الحكومة العراقية والاحتلال الأميركي على حد سواء. والمثير أن هذا التحدي ما زال قائماً على أشده، على الرغم من العسكرة المفرطة التي يعنيها تضخم الأجهزة الأمنية العراقية الذاتية، بشكل قياسي (زهاء 800 ألف منتسب!).
على أن الأهم تأثيرا من ذلك كله في قرار الانسحاب الأميركي من عدمه في هذا الوقت بالذات، يتعلق بالتحولات الثورية العاصفة في المشهد العربي. فصانع القرار الأميركي إزاء مستجد فارق في البيئة الإقليمية، لا يمكن لعاقل إغفال تدبر مآلاته وتداعياته على المشهد العراقي، ببعديه الداخلي والخارجي، في الآجال الحالية والمتوسطة والممتدة.
ويقينا، تحتاج عملية إعادة تقدير وتدبر قرار مغادرة العراق، في ضوء هذا المستجد الفوار، إلى أكثر من الشهرين المتبقيين لإنجاز الانسحاب وفقا لاتفاق 2008.