لسنوات وعقود طويلة كانت الشعوب العربية تبدو كمن رضي بقسمته وبحكمة قادته وبسياسات نظامه السياسي والطريق الذي اختطته لها. كان الوقت يمضى بسرعة، وتتغير الأوضاع في كافة أرجاء العالم ولكن الزمن ثابت لا يتغير في العالم العربي، تمر عقود وتتغير أنظمة ولكن النظام ثابت في العالم العربي، بل لم يشهد شيئا مهما على صعيد التنمية أو الحراك السياسي سوى حلم عربي هنا وكوابيس عربية هناك. كان التغيير استحالة، والديمقراطية حلما بعيد المنال والمساواة والعدالة الاجتماعية وهم من أوهام الشعوب العربية. أما الإعلام العربي فكان جله مسيرا وليس مخيرا.
فكل تركيزه على القائد وبطولاته والنظام السياسي وإنجازاته والقضايا المصيرية وأسباب عدم حلها. هذا الوضع الذي كان بمثابة نكسة حقيقية، أبرزه الإعلام العربي على أنه طاعة شعبية وامتثال كبير لزعيم الأمة الأوحد ولنظامه السياسي الساهر على راحة شعبه وتلبية مطالبه.
كان العالم يتهكم على الإعلام العربي وعلى سكوته على الفساد السياسي وعلى طريقة تجييره لكل وسائل الإعلام لصالح الأنظمة تماما كما كان يتهكم على السبات العميق الذي كانت تغط فيه الشعوب العربية والتي يبدو أنها أدمنت النوم والطاعة والتصفيق لقادتها إدماناً كبيراً تجلى في تقديسها له. ويبدو أن كل ما كان يهم الشعوب العربية هو أن تجد لقمة العيش وسقفا في نهاية اليوم يؤويها. أما القرار السياسي وصنعه والتنمية الوطنية وقضاياها المهمة فقد تركت لمن هو أقدر وأدرى بمصلحتها منها، النظام.
استمر هذا الوضع طويلاً حتى بدا وكأن الشعوب العربية قد أدمنت السكوت والطاعة والامتثال فصارت مضرب الأمثال. لقد اعتقدت بأن الثورات المسلحة التي قادها الجند في بلدها هي الثورات الفعلية، والتنمية القائمة على أسس وشعارات ثورية براقة هي التنمية الحقيقية. فلم تشهد معظم الدول العربية تنمية اقتصادية حقيقية.
ولم تشهد سبقا علميا مهما أو منجزا اقتصاديا مميزاً. فكل ما أنجز هو مجرد استنساخ لتجارب تم استيرادها أو استنساخها من دول أخرى في العالم الثالث أثبتت على مر الأيام فشلها. كان الزمن يمر بطيئا والتغيير يبدو مستحيلا ولماذا أصلا نحتاج إلى التغير؟ بدت الشعوب العربية وكأنها غير متحمسة لتغيير واقعها. فقد كانت خائفة من تجربة فشل كبيرة وغير مستعدة للمجازفة بما لديها.
فقد اعتقدت بأن سياسات هذا الحزب أو اتجاهات هذا النظام هو قدرها الذي يجب أن ترضى به. وكان هذا الاعتقاد يلائم مصالح الحزب أو النظام السياسي الحاكم والذي راهن منذ اللحظة الأولى لوجوده على أن الشعوب لن تتحرك وأنها سوف تقبل بكل سياساته قبولاً مطلقاً.
لم تكن سياسات الأنظمة العربية تركز على البناء الداخلي أو بناء تعددية سياسية أو تنمية اقتصادية حقيقية بقدر تركيزها على بناء شراكات وتحالفات خارجية توفر لها غطاء سياسيا ودعما تحتاج له وقت الشدة والضيق. ولذا كانت كل خطط الدولة موجهة أو مسيسة. فالاقتصاد مقنن، والإعلام موجه والرأي العام مسيس، ومثقفو الأمة يهتفون للزعيم الأوحد وللحزب الواحد. هذا كان حال الأمة العربية حتى وقت قريب.
ولكن هناك حقائق عرفها العالم ولم يعتقدوا أنها سوف تكون مؤثرة وداعمة لنهضة الشعوب العربية، إلا أنها ساهمت إلى حد كبير في الصحوة العربية. فهذه الأرض هي التي قامت عليها حضارات موغلة في القدم تركت آثارا كبيرة على البينة الثقافية للمجتمعات العربية.
وربما لم تشهد تلك المجتمعات خلال القرن العشرين إلا ثورات تحررية من الاستعمار الأجنبي، إلا أنها شهدت أيضاً عوامل أخرى ساهمت في تخلخل المجتمعات العربية وتخليها عن حالة الصمت والخضوع وتقديس الزعيم وسياسات النظام الحاكم. وربما كان هناك عامل آخر ساهم إلى حد ما في إحداث حراك سياسي، ألا وهو سهولة انسياب المعلومات والتدفق المعرفي الكبير الذي شهده العالم .
وبينما عاشت الأنظمة ثباتاً واستمرارية، عرفت الشعوب العربية وضعا معيشيا سيئا عززته مستويات الفقر والبطالة في مجتمعات شبابية رافضة ما اعتنقته الأجيال السابقة من فكر ومعتقد راسخ. وعلى الرغم مما حملته نهايات القرن العشرين من متغيرات إلا أن ذلك لم يؤثر على المجتمعات العربية التي بدأت راسخة في معتقداتها كالطود، راضية عن أنظمتها كل الرضا.
الثبات العربي عزز ورسخ عقلية الأنظمة السياسية وإيمانها بأن الشعوب العربية عصية على التغير أو حتى رافضة له. وهكذا مضى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ولا بوادر حقيقية للتغير قادمة من الداخل العربي .
عام 2011 كان عاما استثنائيا من جميع الجوانب حيث اختلطت الأوراق السياسية خلطا كبيرا وقلبت كل المعتقدات التي ترسخت عبر العقود الماضية رأسا على عقب. لذا فليس من المستغرب أن يدخل هذا العام التاريخ بوصفه عاما استثنائيا ثارت فيه الشعوب العربية ولأول مرة ثورة حقيقية وتهاوت فيه العديد من الديكتاتوريات. لقد أتت أخيرا الصحوة العربية التي نفضت عن نفسها الركام، ركام الظلم والاستبداد وركام سنوات من التخلف الفكري والتهميش الذي عاشت تحته. فهل تأخرت الصحوة العربية وماذا خسرت من جراء هذا التأخر؟
الصحوة العربية التي تأخرت كثيرا نتيجة الكبت والاستبداد والتهميش أيضا خسرت الكثير. خسرت آلاف من العقول العربية التي تركت أوطانها وهاجرت للخارج، خسرت ثروات وأموال كبيرة جيرت لأغراض غير أغراض التنمية الوطنية، خسرت موارد بشرية ظلت، نتيجة لسياسات الحزب أو النظام ، معطلة، خسرت قضايا مصيرية كبرى ظلت تراوح مكانها، خسرت طاقات وطنية ظلت مكبلة في القيود، بل وخسرت نفسها لكي تربح رضا النظام والحزب. فهل تستطيع الشعوب تعويض ما فاتها؟
تصميم الشعوب العربية في تعويض ما فاتها واضح كل الوضوح، في إيمانها بحكم عادل يرد لها كرامتها ويرد لها ثقتها في بناء وطنها. أنها قضية شعب وقضية وطن ومن الطبيعي أن لا يخسر الشعب قضيته.