كتب الله على العرب أن يملكوا النفط وعلى الغرب أن يتجرعه! فها هي صحيفة الليبراسيون الفرنسية تطلق خبرا قد يثير زوبعة في فنجان الأخلاق البشرية، يقول ما مفاده أن المجلس الوطني الانتقالي الليبي (الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا) قد قام بالتوقيع سرا على اتفاقية مع فرنسا تمنحها بموجبها 35% من إجمالي النفط الليبي الخام مقابل اعترافها الكامل والدائم بشرعية المجلس.

 ويبدو أن الخبر قد سرب من خطاب محرر باللغة العربية مرسل من قبل المجلس الوطني الانتقالي الليبي إلى أمير قطر، مع نسخة منه إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وتشير الصحيفة إلى أن هذا الخطاب حرر بتاريخ 3 إبريل أي خلال أقل من ثلاثة أسابيع على صدور قرار الأمم المتحدة رقم 1973 الذي فتح الباب لمنظمة حلف شمال الأطلسي بالتدخل عسكريا في ليبيا ضد نظام القذافي. غير أن وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه أدعى عدم علمه بالرسالة. بينما لم ينف أن الثوار قد وعدوا بأنهم سيتجهون لإعادة بناء ليبيا أولا إلى الدول التي دعمتهم في ثورتهم.

غير أن أهم ما أشارت إليه الصحيفة الفرنسية بشكل تهكمي هو أن الحكومة الفرنسية لم تتوقف منذ بدء العمليات العسكرية عن الإدعاء بأن دعمها للثوار إنما يأتي من منطلق إنساني وحضاري وأخلاقي، وأن فرنسا كما أدعى الرئيس ساركوزي في خطاب له في قصر الإليزيه بتاريخ 19 مارس، ليس لها من هدف في ذلك سوى:

«السعي إلى تقديم العون إلى شعب يواجه خطر الموت، وذلك باسم الضمير العالمي الذي لا يمكنه أن يتهاون في ارتكاب مثل تلك الجرائم. نحن نفعل ذلك لحماية المدنيين من جنون المذابح التي يمارسها النظام، الذي فقد بذلك شرعيته».

ما حدث قبل عشر سنوات في العراق يتكرر اليوم في ليبيا. الخطة هي ذاتها. هناك، كانت جيوش الولايات المتحدة الأميركية التي ذهبت بكل جحافلها لتحتل ثالث أكبر مخزون نفط في العالم، حيث كانت تمتلك 115 مليار برميل من النفط. هنا، الجيوش الفرنسية ولكن بطريقة أكثر ذكاء.

حيث تحتفظ ليبيا بأكبر مخزون نفط في قارة أفريقيا. فحصلت على حصة الأسد في الغنيمة وبدون أن تخسر حتى جنديا واحدا. وسوف نرى بأن التواجد الفرنسي على كل المستويات المدني والعسكري والاستثماري يعمل على قدم وساق بمجرد خروج القذافي أو مقتله.

ولا نستبعد أن تحاول فرنسا أن تجعل من ليبيا إقليما إداريا فرنسيا تابعا لها. حيث إن الجامعة العربية لم تعد تعمل. والاتحاد الأفريقي لم يعد يعمل. وفقدت الشعوب العربية مصداقية الاتحادات الوهمية. كما فقدت طعم رابطة الدم واللغة. فالشعب المصري كان يقتل والعرب صامتون. والشعب التونسي كان يقتل والشعوب العربية تتفرج. والشعب الليبي كان يذبح والعرب ــ باستثناء دولة الإمارات وقطر ــ جلسوا متخوفين من بعبع انتهت صلاحيته. وكذلك الحال في سوريا واليمن. صحيح أن هناك نوعا من التقارب ــ لنقل ــ العاطفي بين الثوار في كل تلك الدول، إلا أنه لم يصل بعد إلى مستوى التفاهم التام والثقة المتبادلة.

فهذه الكلمة أصبحت محذوفة من كتب الأمة العربية. بالطبع لن تسمح الدول المستفيدة من نفط الوطن العربي ومن العقود المفتوحة أن تتحد هذه القوى الشعبية فيما بينها. فتتدخل حلف شمال الأطلسي في ليبيا ومحاولة تبني الثورة في سوريا جاء لنسف أي محاولة تقارب بين ثوار الوطن العربي. ثورة ليبيا ليست ثورة مصر.

ففي الوقت الذي يرفض فيه ثوار مصر قبول (رشاوى) الولايات المتحدة لهم، يقدم الثوار الليبيون مسبقا وبشكل سري ودون العودة إلى موافقة الشعب الليبي ما نسبته 35% أي أكثر من ثلث نفطهم كرشوة لفرنسا لكي تعترف بهم بشكل دائم. أي أنهم يكررون نفس ما فعله نظام حسني مبارك في مصر عندما وقع اتفاقية تصدير الغاز إلى إسرائيل مقابل لا شيء سوى حماية النظام. الثوار الليبيون يضعون أنفسهم اليوم في موقف لا يحسدون عليه.

وفرنسا لا يهمها ما سيحكى عنهم ما دام قد حصلوا على كنوز على بابا دون أن يريقوا قطرة دم واحدة. فهم الكاسبون في البداية والنهاية. لقد باعوا هم وغيرهم من الأسلحة إلى ثوار ليبيا ــ وقبله إلى نظام معمر القذافي نفسه ـــ ما يكفيهم مؤونة نصف قرن من القحط في زمن يعاني فيه العالم بأسره من أسوأ الكوارث الاقتصادية والمالية خطورة. وحسن النية الصادقة التي ادعتها باريس في دعم الثوار فضحتها هذه الرسالة التي كشفتها الصحف الفرنسية المذيلة بصورة منها.

العالم العربي والإسلامي يعلم جيدا بأن هذه الدول لا تمنح شيئا دون مقابل. لماذا؟ لأنها شعوب محاسبية وتحاسب حكوماتها على كل فلس أسود يتم صرفه هنا أو هناك. وإلا فلماذا لا تبادر فرنسا بنفس حسن النية تلك بمساعدة فقراء العالم في كل مكان؟ وهل ليبيا اليوم هي الدولة الوحيدة التي يحكمها نظام مستبد؟

إن تصديق الدول الأجنبية فيما تدعيه من قلق على حياة العرب والمسلمين وأنها تقاتل بغرض تحريرها من الأنظمة المستبدة ولتهديهم إلى الطريق المستقيم، يدل على مدى سذاجتنا. وكأننا نسينا بأن هذه الدول الغربية هي بالذات التي استعمرتنا على مدى عقود من الزمن لا لإعمارنا، بل لإذلالنا وسرقة خيراتنا وتقطيعنا إلى أكثر من 22 دولة.

وحيث إن سياسة الغرب الدائمة هي البقاء لأطول فترة ممكنة متربعة على منابع النفط، وحيث إنه لن يتأتى لها ذلك سوى بتطبيق مبدأ (فرق تسد)، فإن ما حصل في العراق بعد احتلاله سوف يتم تطبيقه على ليبيا بمجرد أن تستقر الأمور. وإذا استمر الليبيون في تقديم مثل هذه التنازلات بهذا السخاء العربي، ولم يستمعوا إلى منطق العقل ولم يسعوا إلى التحرر الفعلي، فسوف تتحول ليبيا إلى ساحة صراع دائم ــ تماما كما هو الحال في العراق، تغذيها جهات مستفيدة، الكل يعرف من هي.

نحن نأسف إذ صح خبر هذه الاتفاقية السرية - أن تتاجر دولة بحجم فرنسا وبتاريخها العريق بحرية الشعوب الضعيفة.

إن صورة فرنسا لدى العرب والمسلمين ارتبطت على مدى الزمن بصورة البطل جان فالجان الذي ضحى بحياته لمساعدة الضعفاء، في رواية البؤساء لفكتور هيجو. فهل تتحول الصورة تدريجيا إلى صورة الرئيس نيكولا ساركوزي؟

تحية إلى ثوار ليبيا وإلى الشعوب التي وقفت معها دون مقابل، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة.