بعد أن تحررت ليبيا من نظام القذافي وانضمت إلى مجموعة الدول العربية التي أنهت حكماً استبدادياً طويل الأمد، تجد نفسها أمام تحديات كبيرة لحماية شعبها من الصراع الدولي المحتدم للسيطرة على مواردها النفطية، ونيل حصص كبيرة من عقود إعادة الإعمار، ما يستوجب قيام حكومة وحدة وطنية تضم ممثلين لجميع مكونات المجتمع الليبي، تعيد للشعب دوره الأساسي بصفته مصدر السلطات، وبناء دولة عصرية تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة. وذلك يتطلب التنبه إلى مخاطر كثيرة، منها:
1- ضرورة تفكيك الجماعات المعارضة التي تستخدم السلاح دفاعا عن نظام تسلطي بائد أوصل المجتمع الليبي إلى حرب أهلية استمرت عدة أشهر، وسقط خلالها أكثر من عشرين ألف شهيد، وآلاف الجرحى والمشوهين، والمهجرين الذين ينتظرون العودة بعد استتباب الأمن. فاستمرار العنف المسلح في ليبيا، يستدرج القصف المدمر الذي تمارسه قوات الناتو، ويودي بحياة المزيد من الشهداء، ويدمر ما تبقى من البنى التحيتة. وقد عمل القذافي طوال سنوات حكمه على إضعاف مؤسسات الدولة، تاركا فراغا حادا على مختلف الصعد القانونية والحقوقية والدستورية، مما ساعد على ترسيخ الهوية القبلية بدل إضعافها. واستمر في تشجيع الانقسامات القبلية وتغذيتها حتى لحظة انهياره، ما يطرح عقبات كبيرة أمام بناء دولة وطنية مركزية، قادرة على توحيد القبائل الليبية المتصارعة وإعادتها إلى كنف الدولة.
2- يعتبر الغرب نفسه منقذا للشعب الليبي من النظام الديكتاتوري السابق. وبعد أن جمد أكثر من مائة وستين مليار دولار مودعة في بنوك الدول الغربية، لا يقدم منها اليوم سوى النزر اليسير لقوى المعارضة الليبية التي تجول على دول العالم بحثا عن ملايين الدولارات لدفع رواتب الجنود والموظفين، ومساعدة الأهالي على سد حاجاتهم الضرورية. لذلك اعتبر الناطق الرسمي باسم المجلس الانتقالي الليبي، بحق، أن استرجاع الأرصدة الليبية المجمدة من المهمات الأساسية التي يتوقف على نجاحها مستقبل ليبيا كدولة حرة مستقلة، ومدى قدرة المعارضة على بناء سلطة مركزية، وجيش وطني، والحد من التدخلات الخارجية.
3- بعد انهيار نظام القذافي تشهد الساحة الليبية اليوم صراعا مكشوفا بين الشركات العالمية، للحصول على حصص أكبر في مجالي النفط وإعادة الإعمار. ويصر الغرب على تفرد شركاته بعقود الإنماء والإعمار في ليبيا، مكافأة له على مواقفه العسكرية التي أدت إلى إسقاط نظام القذافي وإيصال المعارضة إلى سدة الحكم، والاعتراف بممثليها في السفارات والمنظات العالمية. ويطالب بعض مندوبي الدول الغربية بنشر قوات من دول حلف الأطلسي، وفرض رقابة مباشرة، مسلحة أو دبلوماسية، لمراقبة التطورات على الساحة الليبية.
نخلص إلى القول إن تصفية الجيوب المسلحة المرتبطة بالنظام السابق، تشكل خطوة أولى على طريق بناء الدولة الليبية الموحدة. وحماية الموارد الطبيعية في ليبيا، بحاجة ماسة إلى بناء نظام ديمقراطي على ركائز سليمة، أبرزها: دولة القانون والمؤسسات التي تساوي بين المواطنين الليبيين في الحقوق والواجبات، وتقيم العدالة الاجتماعية، وتعمل على تحقيق التنمية البشرية والاقتصادية في مختلف مناطق ليبيا.
غني عن الـتأكيد أن الحرب دمرت نسبة كبيرة من البنى التحتية التي بناها القذافي، إلا أن بعض المناطق الليبية، خاصة البعيدة منها عن الساحل، كانت محرومة أصلاً من جميع مظاهر التنمية البشرية والاقتصادية، وهي تحتاج إلى مليارات الدولارات لشق الطرق، وبناء مؤسسات التربية والرعاية الصحية والاجتماعية، ومراكز الإنتاج الزراعي والصناعي، ومؤسسات الترفيه والسياحة والخدمات العامة وغيرها. وليس من شك في أن استئناف صادرات النفط الليبي، وهي كبيرة جدا بالقياس إلى حجم السكان المقدر بنحو ستة ملايين نسمة، يسهم في تسريع إعادة الإعمار، وتحريك الاقتصاد، وتطوير القوى المنتجة في ليبيا.
لذلك حرص المجلس الوطني الانتقالي على تأكيد التزام الحكومة الليبية الجديدة بجميع عقود النفط المبرمة سابقاً، ومنها عقود لشركات أميركية، وأوروبية، وصينية، وروسية، وغيرها. لكن الليبيين، حكومة وشعباً، يرفضون نشر قوات أجنبية في بلادهم، ويعملون على منع تجدد حرب أهلية.
وفي حين يصر الأميركيون وحلفاؤهم على إبقاء ليبيا تحت حماية الغرب، تطالب دول أخرى كالصين وروسيا بقوات دولية تحت راية الأمم المتحدة، لمساعدة الليبيين على حل مشكلاتهم بأنفسهم دون تدخل خارجي. فلكل من الصين وروسيا مصالح اقتصادية كبيرة في ليبيا. وبعد أن تابعتا عن كثب أحداث الثورة الليبية، رفضتا بشكل جازم أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي الليبية، وطالبتا دوماً بتطبيق فوري لقرارات الأمم المتحدة الخاصة بليبيا، وباحترم الخيارات الحرة للشعب الليبي في إقامة دولة عصرية، مستقلة ومتحررة من القيود الخارجية. وهما تعلقان أهمية خاصة على الدور الأساسي الذي يلعبه المجلس الوطني الانتقالي في حل مشكلات الشعب الليبي، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وإعادة الإعمار، وتنشيط الحياة السياسية والاقتصادية، دون السقوط في دائرة التغريب والتبعية.
لقد استخدم الغرب، بجناحيه الأميركي والأوروبي، القوة العسكرية في ليبيا دون تفويض من الأمم المتحدة، ما يطرح تساؤلات كثيرة حول مستقبل العلاقة بين ليبيا ودول حلف الناتو، ومدى قدرة الشعب الليبي على الاستفادة من التناقضات الدولية القائمة لتحرير قراره الوطني، وثرواته النفطية، واستعادة الأموال الليبية المجمدة في الدول الغربية. وهي سمات أساسية تلعب دوراً مركزياً في تحديد هوية ليبيا الوطنية، ومدى التزامها بقضايا المواطنة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتكامل العربي، والانفتاح على العلوم العصرية، وثقافات العولمة.
ختاما، قدم الانتصار الليبي نموذجاً واضحاً على تشابك العاملين الداخلي والخارجي في عصر العولمة، فتحرر الشعب الليبي من حكم القذافي، الذي شحنه بكلام ضبابي عن ثورة عالمية على هدي «الكتاب الأخضر». لكن الغرب استخدم القوة العسكرية والتكنولوجيا المتطورة للسيطرة على مصادر الطاقة في ليبيا، في حين تحاشت قوى عالمية كبرى الصدام مع القطب الأميركي الذي يعاني مشكلات اقتصادية حادة بسبب استخدامه المفرط للقوة العسكرية.
وتجاهله للقوة الاقتصادية الناعمة التي تلعب الدور الأساسي في التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، ما جعل الأميركيين والأوروبيين يطلبون يد العون من روسيا والصين، لمواجهة الأزمة المالية العالمية. وبالتالي، هناك فرصة متاحة أمام ليبيا للاستفادة من الصراع الدولي للحصول على أفضل عروض لإعادة الإعمار، وإطلاق عجلة التنمية المستدامة، وذلك يتطلب بناء الوحدة الوطنية لإنقاذ ليبيا من مخاطر التبعية والتغريب.
ويواجه المجتمع الليبي اليوم نزاعات داخلية مدعومة من الخارج، وقوى قبلية تعيش في أمية واسعة. وبعد أن تحرر من استبداد الحكم الفردي، عليه أن يثبت كفاءة عالية في إدارة الخلافات الداخلية، ومنع التدخلات الخارجية، والحفاظ على موارده الطبيعية، وتوظيف النفط في خدمة التنمية المستدامة للشعب الليبي. ومن أولى واجبات الليبيين أن يصونوا مصالحهم الوطنية من أطماع الغرب، الذي كان الداعم الأساسي لنظام القذافي.