من نافلة القول إن الأدوار المنوطة بوسائل الإعلام تتمثل في الإعلام أو الإخبار، وكذلك التعليم والترفيه والتوجيه والتثقيف، ومن المؤكد أن هذه الأدوار تختلف حسب طبيعة المرحلة التي يمر بها المجتمع ومتطلباتها، وكذلك طبيعة المشاهد ومستواه الثقافي وما يحتاج إليه، كما يحدد ذلك إلى حد كبير الموضوعات التي يتم تناولها.
ومن الثابث يقينا أن وسائل الإعلام العربية استطاعت في بداية انطلاقها، على رقة حالها وضعف إمكانياتها ونقص خبراتها، أن تقوم بهذه الوظائف بشكل متوازن ومتماهٍ، بحيث وضعت أهدافا فرضتها عليها طبيعة المرحلة التي تمر بها المنطقة، إبان الحركات التحررية. فكانت الإذاعات العربية تشدو بالأغاني الوطنية التي تلهب حماس الجماهير وتحركهم، في الوقت الذي كنا نجد فيه مكانا للشعر والأمسيات الأدبية التي يتحدث فيها كبار المفكرين والمبدعين، بلغة بسيطة وجميلة، وشاهدنا أعمالا درامية وأفلاما مستقاة من أعمال روائية لأدباء فحول، جنبا إلى جنب مع الترفيه. كما أن بعض الأعمال المسرحية، كانت تذاع عبر الراديو إضافة إلى التليفزيون.
واستطاعت وسائل الإعلام إلى حد كبير، أن تكون أداة مهمة من أدوات التنمية في بلادنا عبر عقود. ولأن المدارس الإعلامية متعددة والرؤى متباينة، وأحوال الناس تتغير ورغباتهم تتعدد، وجدنا ـ نحن الجيل الذي عاصر نشأة التليفزيون يوم كان لا يملك غير قناة واحدة، والإذاعة ذات المحطات المحدودة والتي لا يتعدى بثها ساعات قليلة، كما عشنا الإعصار الإعلامي بقنواته التي لا تستطيع حصرها حتى وإن أردت - أن الأدوار كذلك تغيرت وتم تغليب الوظيفية الترفيهية لوسائل الإعلام على باقي الوظائف.
وإذا قال قائل: كيف هذا وهناك قنوات متخصصة في مختلف الموضوعات؟ أجيب بأن نفس المنطق موجود في ظل القنوات المتخصصة. وهنا أستميح القارئ عذرا في حصر عدد القنوات الغنائية مقارنة بغيرها، وهل نحن بالفعل أمة تستحق كل هذا الكم من القنوات الغنائية والترفيهية؟ وهل استطعنا أن نتبوأ مكانة على سلم الحضارة الإنسانية في العصر الحالي، تجعلنا نستحق أن نضحك ملء أفواهنا ونسترخي لنشاهد هذا الكم من الترفيه، على حساب التعليم والتثقيف أو حتى الأخبار!
وعند الدور التثقيفي للفضائيات العربية أتوقف قليلا، واضعا بعض الخطوط العريضة، كمهموم أولا ومتابع ثانيا.
أولا: قلة عدد البرامج المعنية بتثقيف المشاهد بشكل كبير، تحت زعم أن الجمهور لا يقبل على هذه النوعية من البرامج مفضلا عليها غيرها من المواد الترفيهية، خاصة أن إعلام اليوم لم يعد ذلك الإعلام الموجه أو محدود المواد والتي تجبر المشاهد على متابعتها، ومن ثم ليس لها مردود إعلاني كبير، خاصة وأن المواد المذاعة تخضع لقانون العرض والطلب. والحق أن هذا الكلام مردود عليه جملة وتفصيلا، لأن الإعلام كما هو صناعة تهدف إلى الكسب وتحقيق الربح المادي، هو أيضا رسالة تحمل خدمة تقدم للجمهور، وليس معنى ذلك تسليع المواد المقدمة والسعي لتحقيق الربح برفع شعار تحقيق ما يريده الجمهور وفقط، ولكن لا بد من الدفع بما يحتاج إليه الجمهور.
فمن منا يحب تناول الدواء على مرارته؟ لكننا إذا أهملنا تناوله قد يستفحل المرض ويفضي بالمريض إلى الموت وإن كان محسوبا على الأحياء، فللموت أشكال متعددة. وهذا ما لا نتمناه للمشاهد الذي نغرقه في طوفان من التسلية، متناسين حاجته إلى شيء من تنمية الوعي وإيقاظ الفكر، فضلا عن أنه في أكثر البلاد الغربية ديمقراطية وانفتاحا إعلاميا، هناك شروط أساسية في منح الترخيص للمحطات الإذاعية والتليفزيونية، من أهمها إذاعة قدر من البرامج التثقيفية والخدمية للمشاهد، حتى وإن كانت المحطة تجارية، وتتم متابعة ذلك بشكل دقيق.
ثانيا: إن البرامج الثقافية الجادة تعيش بين حالتين لا ثالث لهما، إما الاستعلاء على المشاهد، من خلال إصرار مقدميها ومعديها وضيوفها على عدم التبسيط والنزول إلى مستوى المشاهد العادي، والاكتفاء بمخاطبة النخب والمثقفين بلغة عصية حتى على متوسطى الثقافة، وبالتالي يظل قطاع كبير من المشاهدين لديهم عزوف عن متابعتها.
أما الجانب الثاني فيتمثل في طبيعة القضايا التي يتم تناولها، والتي لا تشغل حتى بال المثقفين، فما بالك بمتوسطي الثقافة أو المواطن العادي! وكأن هذه البرامج في واد وما يهم الناس ويسترعي انتباههم في واد آخر، وكأنه لكي يكون البرنامج ثقافيا لا بد أن يتناول إما قضايا جدلية تاريخية جهلها لا يضر والعلم بها لا ينفع، أو الاشتغال بقضايا مستقبلية قد تكون غير واردة الحدوث، يغلب عليها الطابع الفلسفي كمدرسة الآرائيين في الفقه أو الاكتفاء بالسباحة في المناطق الآمنة.
ثالثا: هناك ظاهرة ملفتة للنظر في البرامج الثقافية المقدمة، وهي عدم التنويع في ضيوف تلك البرامج. فالأشخاص هم هم، مما ذكرني بما يعرف في وسائل الإعلام الغربية بالقوائم الجاهزة، وهي عبارة عن أسماء محددة سلفا للاختيار من بينها، ولا يجوز الخروج عليها، بل قد تجد الضيف في أكثر من برنامج في اليوم الواحد، مما يؤدي إلى ملل المشاهد وتشبعه وإصابته بالسأم حتى وإن كان متمكنا علميا وله قبول جماهيري، فضلا عن إصابة تلك البرامج بالموت السريري، أي أنها تذاع ولكن لا أثر لها.
إضافة إلى انعدام فرص ظهور وجوه جديدة قد تثري الساحة الثقافية، بما تملكه من أفكار لم تتح لها فرصة الخروج إلى النور، خاصة وأن هناك ظاهرة فريدة في فضائياتنا العربية وهي استضافة مقدمي البرامج بعضهم لبعض، وشخصنة الحوارات والبعد بها عن أبسط الضوابط المهنية المتعارف عليها.
رابعا: الشكل الذي يقدم به الكثير من البرامج الثقافية، غير جذاب على الإطلاق وغير محفز على المتابعة، وإن شئت الدقة منفر وممل، فبعض هذه البرامج يعتمد على الحديث وهو من الأشكال التي تصلح في الراديو وليس التليفزيون، والكثير يعتمد على الحوار بين شخصيات داخل الاستوديو، فضلا عن فقر الديكور وضعف الإبهار؛ في الوقت الذي تستخدم البرامج الترفيهية والغنائية أكثر الأدوات جذبا للمشاهد، فضلا عن فقر مستوى الكثير من مقدمي تلك البرامج والوقوع في أخطاء ساذجة، معتقدين أن مقاييس الشكل قد تغفر لصاحبها عدم تمكنه مما يقدمه، وهذا خطأ فادح.
إن طبيعة مجتمعاتنا والتحديات التي تواجهنا، تفرض على الفضائيات العربية إعادة ترتيب أولوياتها، وتجعلنا نتطلع إلى اليوم الذي تقوم فيه بدورها في الإعلام والتعليم والتوجيه والترفيه، إضافة إلى تربية الذوق وتنمية الفكر، لكي لا يظل دورها التثقيفي خافتا أو على الأدق غائبا.