تشغل القضايا السياسية الجانب الأكبر من أنشطة الأمم المتحدة واهتماماتها، غير أنه لو اقتصرت أهمية حياة هذه المنظمة الأممية على معالجة القضايا والمشكلات ذات الأصل والفصل السياسي وتوابعها، لربما ذهب ريحها أو زال وجودها منذ عقود..
ذلك أنها لم تتمكن بالفعل من تصفية أو تسوية الكثير من الصراعات المسلحة والمنازعات السياسية، وتحقيق الهدف الأسمى من إنشائها وهو تحقيق السلم والأمن الدوليين في طول العالم وعرضه. حقيقة الأمر أن الحاجة للأمم المتحدة، باتت تتأتى أكثر من انغماسها في أنشطة وملفات تخص عدداً كبيراً من التفصيلات شديدة الحيوية بالنسبة لحياة الشعوب والأمم وسلامتها من الداخل، على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتعليمية والصحية.. وذلك إلى الدرجة التي نحسب عندها أن مفهوم الأمم والأممية، الذي التصق بمسمى هذه المنظمة طويلًا بلا دلالات حقيقية، لكونها مثابة لحكومات رسمية وليست نتاجاً لاصطفافات شعبية، صار له راهناً معنى ومضمون.
والظاهر أن الأمم المتحدة قصرت في التقرب إلى الرأي العام ومخاطبته والتبسط معه، والتعريف بما تتولاه من مهمات تفتقر للطبيعة السياسية البحتة، ولا تتصل مباشرة بالحروب وقعقعاتها، التي تصدع أخبارها رؤوس الخلق على مدار الساعة. بهذه المناسبة، من يعرف الكثير أو حتى القليل عن جهود مكتب الأمم المتحدة في فيينا المعني بالمخدرات والجريمة؟!..
ومن يعرف أن لهذا المكتب مقراً فرعياً يختص بمتابعة إنتاج المخدرات وتجارتها واستهلاكها في "الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، وهو العنوان المبتذل وغير الدقيق للمنطقة العربية في الأضابير الدولية؟ وأن هذا المكتب الفرعي قد أطلق مؤخراً تقريراً شاملًا عن الوضع العالمي للمخدرات؛ تضمن حقائق مذهلة حول إنتاجها وتجارتها وعمليات تهريبها وضبطياتها، وحجم تعاطيها وإدمانها في مختلف القارات والبلدان؟ ومن ذلك بلا حصر:
* ان أعداد المتعاطين في العالم بلغت خلال العام 2010 نحو 210 ملايين شخص، الأمر الذي تسبب في وفاة زهاء 200 ألف منهم.. علماً بأن التأثير السلبي للمتعاطي يمتد إلى المحيطين به، الذين يصبحون أكثر عرضة للوقوع ضحية الإدمان.
* ان نسبة تتراوح بين 3.3% و6.1% من إجمالي سكان العالم، في الفئة العمرية من 15 إلى 64 عاماً، أي نحو 272 مليون نسمة، تعاطوا المخدرات مرة واحدة على الأقل خلال العام 2010.
* يبلغ عدد المتعاطين للمخدرات عن طريق الحقن، نحو 16 مليون شخص.. وتشغل الصين وروسيا الصدارة في هذا الصدد. كما أن واحداً من كل خمسة من هؤلاء، مصاب بفيروس نقص المناعة المسبب للإيدز، وثمة 3.5 ملايين شخص تعرضوا للإصابة بفيروس الكبد الوبائي، جراء تبادل المحاقن أثناء التعاطي.
* في مجال إنتاج المخدرات وتصنيعها، لا سيما الأفيون والهيروين، تتردد أسماء دول بعينها أكثر من غيرها، كأفغانستان وميانمار وباكستان والمكسيك وكولومبيا.. وعند الحديث عن الضبطيات الكبيرة، تتداول أسماء الصين والولايات المتحدة وتركيا وإيران ونيجيريا وكندا.
* تتزايد كميات الهيروين الأفغاني المهربة إلى الخارج. وفي غضون السنوات الخمس الأخيرة، ارتفع منسوب هذه الزيادة إلى الضعف. ولنا أن نلاحظ على هامش هذه المعلومة، مدى الفشل الأميركي في اجتثاث إنتاج المخدرات من الرحاب الأفغانية، خلافاً لما روجته آلة الدعاية حول دور الاحتلال الأميركي، المغلف بغطاء دولي لا يخفي العورة، في محاربة هذه الآفة التي قيل إنها المصدر الأساسي لتمويل حركة طالبان. إلى هذه المعطيات ذات الصبغة العالمية، نفهم من التقرير أن المنطقة العربية ما زالت تشهد معدلات منخفضة من تعاطي المخدرات وتداولها، قياساً ببقية الأقاليم والمناطق. غير أن زيادة عدد الضبطيات في بعض الدول العربية، كمصر والجزائر والأردن ولبنان وسوريا..
توحي بأن ثمة استهدافاً لعالمنا العربي بهذه اللعنة. وبشكل محدد، يمكن التمثيل لهذا النمط من الاستهداف بالحرب السافلة، التي تشنها إسرائيل على خيرة اليافعين الفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية، بشقيها المحتلين منذ 1948 و1967. فنسبة الاتجار بالمخدرات وتعاطيها في القدس الشرقية مثلًا، تبدو مرتفعة جداً مقارنة بما عليه الحال عالمياً وإسرائيلياً. وتلاحظ المتابعات ذات الصلة، أن الأجهزة الإسرائيلية المعنية تتساهل بوضوح في كبح جماح هذه الظاهرة بين العرب في المدن المختلطة، حتى ليقال ان تفشي المخدرات ومكافحتها في إسرائيل، يجريان على أساس قومي وجغرافي.
في كل حال، تضطلع الأمم المتحدة عبر منظماتها ووكالاتها المتخصصة، بأدوار ومبادرات حميدة؛ لا يمكن الاستغناء عنها في متابعة هموم يصعب على كثير من الوحدات الدولية خوض غمارها بجهودها وإمكاناتها الذاتية. غير أن هذه الوحدات مدعوة لاستكمال هذه الأدوار والبناء عليها، كونها الأقرب إلى ميادين الحركة وما تحويه من مفردات وتفصيلات.