التمكين والتمكين السياسي تحديداً هي مصطلحات حديثة في القاموس المدني ظهرت مع تطور المجتمعات واتجاه العديد منها إلى تعزيز دور الفرد وتفعيل مشاركته في الحياة العامة من خلال إمداده بالأدوات الكافية والكفيلة بتعزيز دوره في الفضاء العام.

وقد اتخذت معظم الدول المتحضرة ومنها دولة الإمارات خطوات ثابتة نحو التمكين بأنواعه، خطوات القصد منها إفساح المجال إمام المواطن ليلعب دوراً أكثر إيجابية وفاعلية في الحياة العامة بمختلف أشكالها. والتمكين هنا هو عملية ضرورية ومهمة للفرد والمجتمع لما ينتج عنها من خلق مواطن واسع الأفق قادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه الاجتماعي.

وبناء ثقافة التمكين هي الخطوة الأولى نحو تعزيز المشاركة العامة وانخراط الفرد بإيجابية في بناء مجتمعه. والمقصود بثقافة التمكين هي إيجاد الفرص والظروف الملائمة من قبل السلطة أو الدولة لتهيئة المواطن وتأهيله بالأدوات اللازمة لجعله أكثر قدرة على المشاركة في صنع واتخاذ القرار الحياتي.

ومنذ فترة غير وجيزة بدأت دولة الإمارات ليس فقط في تداول واستخدام هذه المصطلحات بل في التمهيد الفعلي لها عبر وسائط وسبل متعددة كفيلة بتعزيز دور المواطن في حركة التنمية المجتمعية. وإذا ما تحدثنا عن التمكين السياسي فقد كانت الإمارات جادة في هذا المضمار وإفساح المجال لإشراك المواطن في عملية صنع القرار. فقد استحدثت وزارة خاصة بالمجلس الوطني وبدأت في اتخاذ خطوات فعلية للتمكين السياسي. كما تم تهيئة المناخ المناسب لعملية التمكين وخلق آليات جديدة متعددة ونشر توعية إعلامية مستمرة الهدف منها إيصال رسالة إلى المواطن بأهمية المشاركة في صنع القرار العام.

وقد أحدثت تلك الخطوة حراكاً سياسياً مهماً ودار في حينها جدل كبير بين فريقين رئيسيين، الأول يرى أن الأمر قد تأخر كثيراً وأن دولتنا التي سبقت غيرها في الكثير من المجالات قد تأخرت كثيراً في مجال التمكين السياسي تحديداً، وأما الفريق الثاني فإنه كان مع التروي والتدرج حتى يبني، حسب قوله، ثقافة التمكين السياسي ويمهد لها لأنها الضامن الرئيس لعملية تأهيل المواطن وتثقيفه للمشاركة بفعالية في صنع القرار.

وعلى الرغم من أن السجال لم يحسم حتى الآن بشأن طريقة ونوعية التمكين الكامل، إلا أن الدولة لم تنتظر انتهاء الجدل بل شرعت في اتخاذ كافة الخطوات التي تمهد للتمكين السياسي الحقيقي عبر آلية محددة وفريدة نابعة من ظروف المجتمع نفسه.

فكانت الانتخابات الأولى لعام 2006 ثم الانتخابات الثانية والتي سوف تشهدها الدولة في سبتمبر 2011 والتي بدأت خطواتها الفعلية وسوف تكلل في 24 سبتمبر بانتخاب مجلس وطني جديد. والملاحظ على تلك الخطوات التي اتخذتها الإمارات إنها خطوات مدروسة الغرض منها وضع آلية جديدة وبث ثقافة جديدة هي ثقافة المشاركة السياسية وذلك عبر آليات محددة تصحبها توعية إعلامية كبيرة تمثلت في المحاضرات وورش العمل الكثيرة.

ولكن على الرغم من الجهد البارز الذي استثمر في هذه العملية وعلى الرغم من الجهود الكبيرة لوزارة شؤون المجلس الوطني إلا أن ثقافة التمكين السياسي مازالت بحاجة لدفعة قوية حتى تترسخ وتكتسب أرضية قوية. فالعملية برمتها لا تزال مبهمة على الأقل لشريحة واسعة من المقترعين الذين ظلوا حتى الآن يتساءلون عن ماهية أدوارهم وأهمية الإدلاء بأصواتهم وعملية انتقاء المرشح الذي سوف يمثلهم. فالكثير من هؤلاء المقترعين والناخبين لم يسمعوا حتى عن المجلس الوطني ولا يعرفون وظيفته ولم يبادروا حتى الآن بحضور أي محاضرة أو ورشة عمل عقدت للتعريف بعملية الانتخاب.

بل إن الكثير منهم يظهر سلبية كبيرة تجاه العملية برمتها، ليس لأنه لا يريد المشاركة في العملية السياسية بل لأنه يجهل أهمية الإدلاء بصوته في تغير الأوضاع العامة وإحداث التغير. وفي اعتقادنا أن هذه السلبية ترجع إلى عاملين مهمين الأول هو ضعف الثقافة السياسية، وأما الثاني فهو ضعف الرسالة الإعلامية الموجهة في إيصال الفكرة المطلوبة بأسلوب بسيط وغير معقد. هذا عن المقترعين فماذا عن المرشحين؟

على الرغم من أن عدد المرشحين يربو على 469 مرشحاً، إلا أنه ليس دليلاً كافياً على ترسخ ثقافة التمكين. فليس كل مرشح لديه نفس الإلمام بالعملية الانتخابية أو حتى مدرك لنتائجها أو السيناريوهات المتوقعة.

كما أن هذا العدد الهائل من المرشحين يعكس جانباً مهماً من ثقافة التمكين وليست كلها. قد تكون الرسالة الانتخابية المتعلقة بمهام عضو المجلس الوطني وأعبائه وامتيازاته، وهي رسالة لم يستلهمها المرشح من التوعية الإعلامية بقدر ما استلهمها من ثقافته الاجتماعية، قد وصلت. ولكن هناك جانباً مهماً يحق لنا كمواطنين أن نسأل عما إذا كان موجوداً أم لا وهو مدى إلمام كل مرشح بالعملية البرلمانية ومهامها وتوقعات الشارع الإماراتي من برلمانه القادم.

إن ثقافة التمكين السياسي هي عملية طويلة وقد تكون صعبة ولكنها دوماً تبدأ بخطوة بسيطة. وقد يصادف المرء التعثر في مشواره، ولكن كما يقال كل مشوار طويل لا بد وأن يبدأ بخطوة صغيرة. ومشوارنا نحو بناء ثقافة التمكين السياسي قد بدأ وسوف يستمر.

وقد نشهد سيناريوهات غير متوقعة في العملية الانتخابية القادمة، ولكن من المؤكد أن تلك التجارب سوف تسهم في رفع الوعي السياسي ليس فقط عند المرشح بل الناخب أيضاً. فالتجارب، حتى البسيطة منها، هي في واقع الأمر خطوة نحو التمكين.