لو أخذ الرئيس العراقي (السابق) صدام حسين العبرة من الملك المصري (السابق) فاروق، لما حدث ما حدث له. ولو أخذ الرئيس التونسي (السابق) زين العابدين بن علي العبرة من الرئيس العراقي صدام حسين لما حدث ما حدث له. ولو أخذ الرئيس المصري (السابق) حسني مبارك العبرة من زين العابدين بن علي لما حدث له ما حدث. ولو أخذ العقيد معمر القذافي (السابق) العبرة من الرؤساء صدام وزين العابدين وحسني مبارك لما حدث له ما حدث.
فهل ترى سيأخذ الرؤساء الذين وصلت الثورة إلى أبواب قصورهم، العبرة من الذين سبقوهم من الرؤساء السابقين أم سينتظرون أن يمروا بنفس التجربة المهينة؟
المسألة لا تحتاج إلى تحليل وتعليل طويل وعريض عرض التنازلات التي يقدمونها في الوقت الضائع. المسألة واضحة كوضوح الشمس. التغيير آت لا محالة. شئنا أم أبينا. ولا بد من اختصار الوقت والرضوخ لإرادة الشعوب. معظم الأنظمة التي سقطت أو سوف تسقط هي أنظمة أقامت بينها وبين شعوبها على مدى عمرها الرئاسي المديد - حائطا من الفولاذ الذي لا يمكن اختراقه.
وارتكبت طوال ولاية حكمها من الأخطاء التي لم يكن بالإمكان تجبيرها. وهذه الأخطاء هي التي فتحت شيئا فشيئا هوة صغيرة في ذلك الجدار الفولاذي الذي سرعان ما انهار من كل الجوانب أمام ضغط التيار الجديد القادم من صميم الشعوب العربية. ولا نعرف كيف يمكن لمثل تلك الأنظمة وغيرها أن تصمد أكثر من ذلك بعد أن تخلت عنها الدعامات الصغيرة التي كانت تسندها في الداخل والكبيرة التي كانت تدعمها في الخارج؟
أعظم تلك الأخطاء أن هذه الزعامات أحاطت نفسها بمجموعة من المنتفعين ممن ينقلون للحاكم صورة مخالفة للواقع الذي يغلي خلف الجدار الفاصل بين الحاكم والمحكوم. فكل شي: (تمام يا ريس! والشعب انتخبك يا ريس بس بــ99.99 بالمية. الشعب يدعو لك بالصحة وطول العمر يا ريس. الشعب يهتف باسمك يا ريس.
الشعب يأكل حتى التخمة، الشعب لم يعد ينقصه شيء في ظل حكمك العادل....) والرئيس يعلم بأن الحقيقة غير ذلك. لكنه لا يرغب في سماع أي صوت سوى صوت الوصوليين. وهؤلاء في حقيقة الأمر لا ينقلون له سوى ما يرغب هو في سماعه.
ورغم وجود البرلمانات، والمجالس الشعبية والمؤتمرات التي أسست بصورة لا تخالف القانون، إلا أن هذه المجالس بعد أن امتلأت بالفساد وممالأة الأنظمة لم تكن تعكس الواقع المزري لمن يمثلونهم. والمعارضة ليس لها صوت يذكر، أو يتم كتمها بكل الوسائل حتى لا يصل صوتها لأبعد من أذنيها.
الخطأ الثاني أن هؤلاء الرؤساء وغيرهم صدقوا دعابة أن الله اصطفاهم وفضلهم على غيرهم من البشر تفضيلا، وأن الحكم سيدوم للحاكم بإذن الله. ولم يتصوروا أن الشعوب تحمل في طياتها طاقة مكنونة هائلة قادرة على الانفجار في أية لحظة وبإذن الله أيضا.
وأن الملك لا يدوم لأحد كما لا تدوم الحياة لأحد. ولحكمة ما، فإن في مخيخ كل إنسان هناك ملف صغير يحتل مساحة صغيرة جدا من مساحة الذاكرة الكلية التي تقاس بملايين الجيغابايتات، ينشط في السر ويوحي له بشكل متواصل بأنه لن يموت حتى ولو فنيت البشرية.
ولو سأل كل واحد منا نفسه هذا السؤال سيجيب بنفس الإجابة، حتى ولو كان معتقدا بحتمية الموت والحياة والحساب والعقاب. وهذا الاعتقاد هو الذي دفع بالرؤساء الذين سقطوا خلال الأشهر الماضية ومن سيسقط بعدهم خلال الأشهر أو السنين القادمة، إلى القتال حتى آخر رمق. مع أن كل المؤشرات تدل على أن اللعبة قد انتهت. وأنه أصبح (كش مات)!
الخطأ الثالث، هو أنهم لم ينقطعوا فقط عن الاتصال بإنسان الشارع العادي الذي يمثل نسبة الأغلبية في كل مكان من العالم، وإنما انقطعوا حتى عن متابعة التطور الطبيعي والعلمي والسياسي والاجتماعي للبشرية.
عالم اليوم هو عالم التكنولوجيا المتقدمة الذي تقوده نخبة من علماء الذرة والفيزياء والكيمياء والبرمجة والسرعة وعوالم الاتصالات المعقدة التي تقودها نخبة من الشباب من الجيل الرابع والخامس والسادس برموز فنية لا يفهمها رؤساؤنا، وهذه النخبة من هذا الجيل (يحكمون ويديرون) فعليا مواقع الكترونية تشبه في تنظيمها الإمبراطوريات العظمى كفيس بوك وتويتر وغيرهما، ينتمي إليها ملايين من الشباب في خيوط عنكبوتية يصعب اختراقها أو السيطرة عليها.
وهذا الجيل من الشباب الغض استطاع في غضون سنوات معدودة أن يجبر حكام ورؤساء وزعماء العالم في كل مكان ممن ينتمون إلى الجيل السابق على أن يغردوا خارج السرب! وهكذا أصبح نظام حكم زين العابدين ومبارك والقذافي وغيرهم يقع في خانة الأنظمة البائدة التي انتهت صلاحيتها منذ ثورة هوت ميل وجوجل ميل قبل عشرات السنوات. ولا أحد يفهم حتى الآن كيف استطاعت الشعوب العربية طوال هذه المدة الاستمرار في تناول وتعاطي أنظمة فاسدة انتهت صلاحيتها منذ فترة طويلة!
الخطأ الرابع هو أنهم نسوا محاسبة التاريخ. ترى لو ترك هؤلاء إرثا ديمقراطيا عظيما لأصبحوا مخلدين في كتب التاريخ إلى يوم القيامة. لو أن هؤلاء بمجرد ما إن تسلموا زمام الأمور اطلعوا على أنظمة الحكم في الغرب وقاموا بوضع أسس جديدة وثابتة لدولة تقوم على الانتخابات الحرة النزيهة، والاحتذاء بنظام الجمهوريات المعمول بها في دول العالم المتحضر، لضمنوا أن يبقوا في عروشهم بل وتوريث الحكم إلى أبنائهم. وسيخلدون في كتب التاريخ.
اليوم، هؤلاء خسروا كل شيء، أنفسهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبل أبنائهم وأملاكهم وممتلكاتهم وأصبحوا تحت رحمة المحاكم الشعبية يجرون إليها على شكل مجرمين ولصوص وقتلة. والأسوأ من كل ذلك، أنه حتى مآثرهم التي تركوها على الأرض لم تعد مآثر تحسب لهم. وسرعان ما وضعتهم شعوبهم في مزبلة التاريخ.
وكل عام وأنتم بخير