حين سقطت الإمبراطورية العثمانية، في العقد الثاني من القرن العشرين، نزعت الدولة التركية "الكمالية" الحديثة جلدها الشرق أوسطي واتجهت نحو الغرب، وأصبحت عضواً بارزاً في حلف شمال الأطلسي حين تأسس هذا الحلف نهاية الحرب العالمية الثانية. وأخذت القوات المسلحة التركية على عاتقها مهمة ضمان هيمنة الخط السياسي العلماني لتركيا الحديثة، فقد نفذت ثلاثة انقلابات خلال نصف القرن الأخير.

الحال لم يعد كما كان على مدى يقرب من ثمانين عاماً، فقد بدأت بوادر الضعف تعتري التيار العلماني في تسعينيات القرن المنصرم، إثر تبدل في مزاج الشارع التركي دفع بحزب العدالة والتنمية الإسلامي إلى سدة الحكم نهاية عام 2002. وكان لهذا الحدث الهام، الذي جاء في أجواء الإحباط من طول انتظار قاطرة الاتحاد الأوروبي التي لم تتوقف عند رصيف أنقره، أن تحول تركيا اهتمامها نحو محيطها القديم.

وتعود لارتداء جلدها الشرق أوسطي. ومنذ ذلك الحين توسعت علاقاتها الاقتصادية مع معظم دول المنطقة، التي تغيرت معادلات التوازن فيها بعودة لاعب كبير يحسب حسابه. فالتحول في عقيدة الحكام لم يجعل من تركيا بلداً أقل أهمية عن ذي قبل في الساحة السياسية.

فعلى الرغم من أن واشنطن وجدت نفسها في مواقف تضاد عديدة مع أنقرة منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، كان أولها رفض تركيا السماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيها للمساعدة في عملية غزو العراق عام 2003، وآخرها تردي علاقاتها مع إسرائيل منذ الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء التركي في منتدى دافوس، وإدانته الشديدة لإسرائيل على قاعدة قصفها لغزة عام 2009، وما ترتب لاحقاً من تداعيات على عملية القرصنة التي مارستها إسرائيل ضد الباخرة التركية مرمرة. إلا أن واشنطن، رغم ذلك، ترى في تركيا الدولة الأكثر أهمية في حساباتها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط.

تميزت إدارة الرئيس أوباما عن سابقتها، بالحرص على التخفيف من ظهور الولايات المتحدة إعلامياً في ساحات الشرق الأوسط السياسية، والميل لأن يكون بعض تحركاتها ومبادراتها صادرا عن طرف آخر مقبول لديها أو حليف لها، طرف شرق أوسطي يستطيع مقاربة ملفات لا تستطيع الولايات المتحدة مقاربتها دون إثارة حساسيات وتوجسات، خاصة ما يتعلق منها بالسياسات الشائكة التي ينتهجها بعض دول المنطقة.

تركيا كانت سباقة في استشراف بوادر هذا التوجه، فعملت على إعداد نفسها لتكون الخيار الوحيد أمام الولايات المتحدة، حين أوكلت ملف الخارجية لأحمد داوود أوغلو مهندس سياسة الانفتاح التام على دول الجوار، باستراتيجية تهدف إلى اختزال حجم المشاكل مع هذه الدول وجعلها مساوية للصفر.

وها نحن نشهد دورها النشط في المنطقة منذ دخل العالم العربي مطلع عام 2011 حقبة جديدة من تاريخه، حقبة هامة أطلق عليها البعض "الربيع العربي": تململات واحتجاجات، ثم ثورات شعبية لحشود هائلة على الأنظمة الشمولية الطاغية، لانتزاع حقوقها المصادرة في الحرية والعيش الكريم.

أسهم "الربيع العربي" في جعل تركيا أكثر قرباً إلى الولايات المتحدة، فقد باركت واشنطن الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة التي كانت سريعة الاستجابة لأحداث هذا الربيع، فقدمت النصح للأنظمة القائمة، ومارست الضغوط على حكامها بضرورة الإنصات لمطالب شعوبها الثائرة، والقيام بعمليات إصلاح حقيقية وسريعة لبناء الدولة على أسس جديدة، وفتحت في الوقت نفسه قنوات الحوار مع المعارضة.

وجدت تركيا أن من مصلحتها، بالدرجة الأولى، أن تلعب دوراً سلمياً بناءً يجنب منطقة الشرق الأوسط الهزات والانحدار نحو الفوضى وعدم الاستقرار. فعلاقاتها المتميزة مع دول المنطقة، والسياسة الخارجية غير المنحازة التي تنتهجها، تؤهلها لأن تلعب دور الوسيط بين دولها الغارقة في المشاكل، البينة منها والخفية. فهناك خلافات عميقة وخطيرة، بين العرب وإسرائيل، بين العرب والعرب، بين العرب وجيرانهم الآخرين، وبين بعض العرب والغرب.

ووجدت كذلك أن ثقلها في المنطقة، اقتصادها القوي وازدهارها الديمقراطي وعمق بعدها التاريخي، يؤهلها لأكثر منذ ذلك، يؤهلها لدور وسيط قيادي وليس وسيطا عاديا. هكذا دخلت تركيا ساحات الشرق الأوسط بثقة عالية، معتمدة على استقرار نظامها السياسي وتعاظم دور حزب العدالة والتنمية الحاكم، بعد التراجع والانحسار في دور المؤسسة العسكرية، وفشل الانقلاب العسكري الذي حاول عدد من كبار الجنرالات القيام به مؤخراً.

ملف العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، أحد أبرز الملفات التي تنطوي على أسرار ما يجري في الشرق الأوسط من أحداث، وما يُعد من سيناريوهات لتحويل دوله إلى ديمقراطيات مقبولة لدى الغرب. وما ستتمخض عنه الثورات العربية والمسارات التي ستتخذها الأنظمة السياسية الجديدة، لن يكون بمعزل عن إرادة ومصالح بضع دول في العالم، حرصت تركيا على أن تكون إحداها.

صحيح أنها فشلت في جهودها الدبلوماسية الحثيثة لحمل بعض الحكام على الإنصات لمطالب شعوبهم، وهي على أية حال ليست الدولة الوحيدة التي فشلت في هذه المُهمة الصعبة، فالطغاة لم يستمعوا إلا إلى شياطينهم. إلا أنها، من جانب آخر، نجحت عن طريق انحيازها إلى خندق التغيير والإصلاحات، في كسب ود هذه الشعوب.

فحرصها على التعاطف مع مطالب الشعوب وممارستها الضغوط على الأنظمة التي أسقطت، هو استثمار كبير وذكي وضعته الإدارة التركية في مشاريع رابحة، ستجني ثمارها لاحقاً مع الأنظمة السياسية التي ستنبثق نتيجة التغيير، وتكتسب بذلك المزيد من القوة والنفوذ في المنطقة. فها قد سقطت حتى الآن ثلاثة أنظمة في تونس ومصر وليبيا، وأصبح الفراغ السياسي الذي خلفه السقوط مرشحاً لأن تشغله الجهة التي ستفوز بثقة الشارع في انتخابات ستجرى لاحقاً في هذه الدول.

تركيا الجديدة تقدم نفسها أمام الجماهير الثائرة والقوى السياسية التي أسهمت في إسقاط الأنظمة، كنموذج يحتذى به، قصة نجاح لدولة إسلامية، لا ترى أن الإسلام يتعارض مع قيام نظام سياسي رأسمالي ديمقراطي.