أصدر اثنان من قضاة الاستئناف في ولاية أتلانتا الأميركية، أحدهما تم تعيينه من قبل الرئيس الأسبق بيل كلينتون والآخر من قبل الرئيس السابق جورج بوش، قراراً بعدم سماح الدستور للحكومة الاتحادية بإلزام الأفراد بشراء تأمين صحي. ويعد هذا القرار هزيمة نكراء للبيت الأبيض، إذ يمثل ما يسمى "إلزام الفردية"، حجر الزاوية لقانون توفير الرعاية الصحية بأسعار معقولة، وهو قانون إصلاح سنه الرئيس باراك أوباما في مجال الرعاية الصحية في العام 2010، ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ عام 2014.
إن الغرض من هذا القانون هو جمع العائدات لتشكيل وعاء للمخاطر الصحية. فلن تتمكن شركات التأمين من دفع المبالغ اللازمة لرعاية المرضى أو تغطية تكاليف الأمراض الكارثية، إلا إذا ساهم الجميع بإجراء تأمين صحي.
وقد تم تحويل القضية إلى المحكمة العليا، بعد أن قامت محكمة استئناف أخرى بتأييد دستورية القانون، مما لا يبعث على الاطمئنان، حيث لا تتميز هيئة المحكمة، التي عُين معظم أعضائها من قبل الحزب الجمهوري، بآرائها التقدمية.
وفي مثال آخر على نجاح الحزب الجمهوري في الاحتيال على الرئيس والديمقراطيين، رفض الأعضاء الجمهوريون في الكونغرس، في جدال حول الرعاية الصحية، النظر في نظام فردي يعمل تلقائياً على تشكيل وعاء للمخاطر الصحية. وعلاوة على ذلك، رفضوا فكرة إعطاء الناس خيار الاشتراك في ذلك النظام مقابل مبلغ مالي معين.
لقد رضخ الرئيس أوباما والديمقراطيون، كما يفعلون في معظم الأحيان، وعمدوا إلى ابتكار حل وسط يقضي بأن تبقى الرعاية الصحية في أيدي شركات التأمين الخاصة.
ويبقى السبيل الوحيد لنشر مثل ذلك النظام، هو أن يقوم الجميع بإجراء تأمين صحي. وذلك بالضبط ما اعترض عليه قاضيا الاستئناف في أتلانتا، إذ إن الدستور، من وجهة نظرهما، لا يسمح للحكومة الاتحادية بإجبار المواطنين على تحقيق شيء ما مقبل رسوم مالية. وفي هذا الصدد، كتب القاضيان: "يحق للكونغرس تنظيم العناصر التجارية الفاعلة في الدولة، لكن ما لا يحق له، وذلك وفقاً لبند التجارة، هو حمل الأفراد على الدخول في عقود مع شركات التأمين الخاصة، لشراء منتج باهظ الثمن منذ ولادتهم وحتى يوم وفاتهم".
ويبدو أن معظم الأميركيين يوافقون على ذلك. ووفقاً لاستطلاعات الرأي، فإن 60% من الجمهور يعارض التكليف الفردي. ويعتبر كثير من اليمينيين أنه يشكل تهديدا للحرية الفردية، في حين يعارض كثير من اليساريين فكرة إلزامهم بالشراء من شركة خاصة.
ولو تمسك الرئيس والديمقراطيون بآرائهم خلال جدال الرعاية الصحية، وأصروا على مساهمة الجميع في برنامج الرعاية الطبية "ميدي كير"، أو على منحهم حق الاختيار على الأقل، لما كانوا يواجهون الآن خطر انهيار قانون الرعاية الصحية الجديد.
ففي نهاية المطاف، تعمد كل من "الضمان الاجتماعي" و"ميدي كير"، وهما أكثر شبكات الأمان شعبية في الدولة، إلى إلزام كل موظف أميركي بـ"شراء" تأمينه الصحي. وتحدث عملية الشراء بشكل تلقائي، من خلال اقتطاع مبلغ معين من الراتب. ولكن نظراً لكون "الضمان الاجتماعي" و"ميدي كير" برنامجين حكوميين، فإن المبالغ المقتطعة لا تبدو كأنها تسحب مقابل مشتريات إلزامية، وإنما كضرائب حكومية. وهي بالفعل مجرد ضرائب مفروضة على الرواتب.
ولا شك في دستورية الضرائب المفروضة على الرواتب، إذ يحق للحكومة الفدرالية فرض الضرائب بغية تمويل منافع عامة معينة.
ولا يعترض الأميركيون على الأمور الإلزامية المفروضة في صورة ضرائب لصالح "الضمان الاجتماعي" أو "ميدي كير". وفي الواقع، يتمتع كلا البرنامجين بشعبية واسعة، لدرجة أن عدداً من الجمهوريين المحافظين صاحوا بأعلى صوتهم: "لا تحرمونا من تأمين "ميدي كير"!" في المسيرات المناهضة لقانون الرعاية الصحية الجديد.
إلزام المواطنين بشراء منتج ما من شركة خاصة أمر مختلف تماماً. وقد قال قاضيا أتلانتا في محاولة لشرح قراريهما، أنه إذا مُنح الكونغرس حق إلزام المواطنين بشراء تأمين صحي من القطاع الخاص، فما الذي سيمنعه من إجبار المواطنين على شراء أي شيء آخر؟ وفي حال عدم إلغاء القانون "سيتمكن مجلس كونغرس مستقبلي، وبالطريقة ذاتها، من فرض مشكلة فريدة من نوعها، وهي حمل الأميركيين على شراء منتج معين من شركة خاصة ما".
وقد هاجم قاضيان فيدراليان آخران، أحدهما في ولاية فيرجينيا، وآخر في ولاية فلوريدا، القانون لأسباب مماثلة، وقالا إن الحكومة الاتحادية لا تملك السلطة الدستورية لإرغام المواطنين على شراء البروكولي أو الهليون، حتى تتمكن من إرغامهم على شراء تأمين صحي. فالتأمين الذي يقدمه برنامج "الضمان الاجتماعي" أو "ميدي كير"، ليس بروكولي أو هليون. فهو يحمل الهوية الأميركية، حاله كحال الـ"هوت دوغ" وفطيرة التفاح.
ينبغي لاستراتيجية الجمهوريين أن تكون واضحة الآن، فهم يعملون على خصخصة أي جهة قد تمثل برنامجاً عاماً تموله الضرائب المفروضة على الرواتب، ثم يجادلون في المحاكم بحجة أن أي شراء إلزامي من تلك الجهة لا يعد دستورياً، وبالتالي يشحنون الرأي العام ضد ذلك المطلب.
ما الذي سيفعله أوباما والديمقراطيون إذا قامت المحكمة العليا بإلغاء "إلزام الفردية" بقانون الرعاية الصحية الجديد؟ سيقترحون على الفور ما كان يجب عمله منذ البداية، وهو توفير الرعاية الصحية للجميع من خلال برنامج "ميدي كير"، وبتمويل من الضرائب المفروضة على الرواتب. وعندئذ، سيقوم الشعب بمساندة اقتراحهم، وكذلك المحاكم.