تعود جذور أعمال الشغب التي اجتاحت الضواحي الإنجليزية، إلى ظواهر ليست محصورة في بريطانيا، بل تنتشر بشكل متزايد في كل مكان. هل يمكن، إذن، أن يتكرر الشيء نفسه في أميركا؟ بالطبع، هذا ممكن، وفيما يلي الأسباب.
إن الانهيار الاجتماعي الخطير، الذي أشعلت شرارته حادثة إقدام رجل شرطة واحد على قتل شاب أسود تصادف أنه كان يحمل مسدساً محشواً بالرصاص، لا تختلف كثيراً عن أعمال الشغب التي حدثت في فانكوفر في كندا في وقت سابق من هذه السنة، عندما خسر فريق الهوكي "فانكوفر كانيوكس" بطولة كأس ستانلي. وبالطبع فإن معظم الناس المنشغلين بحياتهم الخاصة، لا ينبغي أن يكترثوا لمثل هذا الأمر.
لكن هناك شباناً طائشين من الذين يحملون الأسلحة علانية، يقامرون على اللعبة، وبطبيعة الحال فإنهم يخسرون أحياناً، لأن فرق الهوكي لا تفوز في كل مرة. تلك هي الحقائق البديهية التي يفترض أن يعيها أي شخص عاقل.
يمكن تفهم بعض أشكال الاضطرابات الاجتماعية أكثر من الأخرى، خاصة تلك حدثت في الدكتاتوريات العربية، عندما أدت شرارة صغيرة إلى تحفيز حراك جماهيري هائل استطاع تغيير النظام. لكن هناك فرقاً بين أعمال الشغب في دولة ديمقراطية مصنفة من أهم ثماني دول صناعية في العالم، والمظاهرات الشعبية التي تهدف للانقلاب على القمع.
ليس هناك أصلاً وجه للمقارنة بين الحالتين على المستوى الأخلاقي. وبينما بدأت تتكشف هوية المذنبين في أحداث الشغب في لندن شيئاً فشيئاً، بدأنا نجد أن من بينهم طلاب جامعات وأبناء عائلات ثرية. ويفترض منا أن نصدق أن هؤلاء هم الشبان المحرومون الذين سيطر عليهم اليأس، لدرجة جعلتهم يهبون لتحطيم المتاجر وسرقة محتوياتها!
لكن ما الذي يدفع شاباً مرتاحاً مادياً، ليتصرف مثل جماهير كرة القدم الإنجليز المشاغبين المستهترين من دون حافز مشروع؟ إن ما نشهده الآن هو اختلال نفسي جماعي، لا يختلف عن اختلال الشخصية الرئيسية في رواية بريت إستون إليس المفزعة "المعتوه الأميركي". كل شيء في هذا العالم يجب أن يتمحور حول رغبات هؤلاء، ورغم أنهم - أو ربما لأنهم ـ يحصلون على كل ما يحتاجونه ليعيشوا حياة مريحة نسبياً، إما من آبائهم أو من الدولة، فإنهم يشعرون أنه يجب أن يحصلوا على كل شيء.
الشخصية الرئيسية في رواية إليس، يجسدها رجل متنفذ في وول ستريت يمتلك كل شيء يحلم به. وذلك الإحساس بالقوة المطلقة، يقوده إلى تخطي أقصى حدود السلوك المعادي للمجتمع، بما في ذلك ارتكاب جرائم تعذيب وقتل مرعبة، وهو يقترف تلك الجرائم، لمجرد أن ذلك يروق له. ليس هناك تبرير اجتماعي عقلاني لتصرفاته ـ التي ربما لا يغذيها سوى شيء واحد هو اعتقاده أن من حقه القيام بها ـ شأنه في ذلك شأن أولئك الذين قاموا بأعمال الشغب في بريطانيا.
إن الأشخاص الذين كافحوا أو عملوا بجد لأجل الحصول على شيء ما، يعرفون قيمة الممتلكات الخاصة، من حيث كمية الإنتاجية اللازمة لاقتنائها. ولقد لاحظت أن هؤلاء هم الأشخاص الذين إذا رأى الواحد منهم قطعة نقدية معدنية على الأرض، ينحني ويلتقطها مهما كانت صغيرة، بينما رأيت شباناً طائشين عاطلين عن العمل يلقون بالقطع النقدية الصغيرة لكي يخففوا الحمولة على جيوبهم، دون إبداء أي اعتبار لحقيقة أن المال يمثل العمل.
ومن قام بهذه الأعمال الشنيعة، هم من جيل مواقع التواصل الاجتماعي. لماذا نتفاجأ من الشخص الذي لا يخجل من الاستمرار في إرسال الرسائل القصيرة من هاتفه المتحرك، حتى وهو على طاولة العشاء، أو الذي ينشر أي فكرة مضجرة تخطر في باله أو نشاط تافه يقوم به على صفحته في "فيسبوك"، إذا لم يعبأ بالتفكير ولو لوهلة قصيرة بأي شيء غير نفسه ورغباته الذاتية؟ هؤلاء يعيشون في عالم افتراضي موازٍ، اختلقوه لأنفسهم، يتمحور فيه كل شيء حول الشخص نفسه: صفحته الخاصة على "تويتر"، صفحته على "فيسبوك"، رسائله الهاتفية وما إلى ذلك. وإذا كان هناك أي افتقار للتماسك الاجتماعي، فإن سببه الفجوة بين عالمهم الافتراضي والواقع.
ويمثل هذا العنصر الجديد المتصل بمواقع التواصل الاجتماعي، بعداً جديداً لـ"نظرية النوافذ المحطمة" في علم الجريمة، والتي تشير إلى أن المحافظة على بيئة سليمة تساعد على منع وقوع المزيد من الجرائم وأعمال الشغب. ومع أن المشاغبين أو "الهوليغانز" كما يسمونهم، موجودون في المجتمع منذ زمن، فإنهم في السابق كانوا مضطرين لإيجاد متهمين آخرين بالتقصير أو "نافذة مكسورة"، لكي يستغلوها لإشعال شرارة الشغب.
لكن كما شاهدنا الآن، فإن الهوليغانز في هذه الأيام يمكنهم تبادل صيحات التحريض على التخريب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي بأطراف أصابعهم. وهذه الوسيلة السريعة لحشد الجموع، هي التي جعلت أعمال الشغب تنتشر بسرعة، من لندن إلى ليفربول وليدز وأبعد من ذلك.
نرجسية مواقع التواصل الاجتماعي ومنح الشباب كل رغباتهم دون جهد، هذه هي الوصفة الجديدة لظاهرة الشغب في العالم المتقدم، ومن البديهي أن أميركا ليست محصنة أمام هذا الخطر.