العولمة مفهوم تبلور وتطور خلال العقدين الأخيرين بفعل التطور التقني وثورة الاتصال والمعلومــات ليظهــر العــالم وكأنه قرية صغيرة رغم تباعد المسافات واختلاف الظروف والأوضاع. لقد نجحت العولمة في خلق ظروف متشابهة في مجتمعات مختلفة كل الاختلاف: حضــاريا وثقافيا وفكريا وإيديولوجيا. والمعروف أن العولمة تنشد التغير وتهدف في المقام الأول إلى التأثير على الشباب بوصفهم لاعبا رئيسا تستطيع من خلاله إحداث التغير المنشود.
وكان الاعتقاد أنها أنما تستهدف التغير السطحي من خلال أدوات حضارية معينة ينتجها العالم النامي المتطور وسرعان ما تنتشر في كل أرجاء المعمورة بفعل ثورة الاتصال والتقنيات. ولهذا عرفت العولمة بثورة الكوكاكولا والماكدونلد والشركات العابرة للقارات. ولكن المتابع لأحداث العنف والشغب في بريطانيا شهد عولمة من نوع أخر. فالدوافع التي ساقها المشاغبون في المدن البريطانية لكسر المحلات وحرق المباني العامة والخاصة جعلت العالم كله يحبس أنفاسه في لحظة ترقب وكأنه في منافسة متعولمة بين العالمين الأول والثالث.
حبس العالم أنفاسه وهو يرى أحد أهم الإمبراطوريات وأعرق الديمقراطيات يجتاحها الشغب ويطالب شبابها بالعدالة الاجتماعية وبمستوى معيشي أفضل. حبس العالم أنفاسه وهو يرى الحرائق الهائلة والخسائر الكبيرة التي خلفها ذلك الإعصار البشري الغاضب والذي يسير خلفه شباب ملثمون غاضبون يطالبون بالمساواة وبإيجاد فرص عمل.
كنــا نتــابع تعليقــات الصحافــة العالميــة علــى دوافــع ذلك الشغــب وأسبابه ونعقــد المقارنة تلــو الأخــــرى بين ما شــاهــدته وتشهــده بعــض الدول العربيــة من أحداث وبين ما يحــــدث فــي واحــدة مــن أعــــرق الأنظمــة السياسية فــي العــالم. فمتظاهــرو بريطانيا تختــلف دوافعهــم بالتأكيد عــن أولئك المتظاهــرين في البلدان العربيــة والفقــيرة والجائعــة ولكــن تجتمع أيضاً فــي الإحســاس بالظــلم وبغياب العــدالة الاجتماعية.
فمن المؤكــد أنه ليس كل مظاهرة أو شغب تدفعــها أيدلوجية معينة وليست كل انتفاضة هي مطالبة بإصلاح سياسي، ولكــن مــن المؤكــد أيضــاً أنه وراء كل شــغب أو مظاهرات هنالك ظلم واستبداد من نوع مختلف. فــوراء كل مشاغب دافع رئيس أن لم يكن جوع أو فقر فهو إحساس قاتل بالظلم. فكمــا يبدو من تعليقــات المحللين فــان المتظاهرين والذين كــانوا يقفــون وراء أعمــال الشــغب والعنف التي اجتاحت بريطانيا خلال الأسابيع الماضية، لهم دوافعهم الخاصة والتي قد تختلف عن دوافــع متظاهــري مصــر وتونس وليبيا وسوريا ولكنها تجتمع معهم في قضية واحدة وهي الإحساس بالظلم وبغياب العدالة الاجتماعية. متظاهرو بريطانيا كانوا بحاجة إلى جذب الانتباه إلى قضايا خاصة بهم وبالوضع الاجتماعي الذي يعيشونه.
فهم لا يتظاهرون طلبا لديمقراطية أو إصلاح سياسي لأنهم وطبقا للمفاهيم الدولية، يعيشون في واحدة من أعرق الديمقراطيات، ولا يتظاهرون طلبا لحرية الرأي أو المعتقد فهم يعيشون في مجتمع ضمن لهــم طبقا للقانون العام وتشريعات الدولة حرية ممارسة أي عقيدة يريدونها. ولكنهم يحملون هموما وقلقا من نوع أخر.
فبعضهم قلق من تنامي الطبقية والعنصرية الفجة في مجتمعهم والتي حرمتهم نفس الحقوق التي يحصل عليها غيرهم حسب لون بشرتهم أو موطنهم أو وضعهم الاجتماعي. وبعضهم قلق من غياب العدالة الاجتماعية والقلق المدني المتزايد مــن ارتفــاع الاختلافات الطبقية في مجتمعات صناعية وإنتاجية عملت جاهدة على إزالة الطبقات لتفاجأ بعد كل ذلك بأنها قد أصبحت ذات طبقتين فقط واحدة غنية والأخرى فقيرة. فارتفعت دخول الفئة الأولى إلى مستويات خرافية بينما تدنت مستوى دخول الفئة الثانيــة لتلامس تلك الموجودة في أفقر الدول النامية وهو الأمر الذي خلف فقرا كبيرا في مجتمع غني.
ولكن ليست دومــا الأوضاع الاقتصادية هي المحرك للقلق والعنف في الغرب، فهــناك عنف مدني مرده خوف من الأخر كما حصل في النرويج مؤخرا. فعنف النرويج، طبقا لأقوال سفاح النرويــج، مــرده الاسلامافوبيا أي الخوف من تنامي الإسلام والمسلمين في الغرب، أي أن المحــرك للعنــف هــي دوافــع دينيــة وحضارية. فالبعض يدفعهم الخوف من الإسلام إلى التفكير في اتخاذ إجراءات حمائية فردية وهو الدافع الذي دفع إرهابي النرويج لارتكاب مجزرة أوسلو والجــزر القريبــة منها. فركــزت الصحافة العالمية أنظارها على وضع المسلمين في الدول الغربية عوضا عن أن تركز على الوضع الاجتماعي الداخلي والمتغيرات التي لحقت به بفعل العولمة.
إن العالم اليوم قد أصبح قرية صغيرة فعلا. فما يحدث في منطقة تظهر أثاره سريعا في منطقة أخرى قد تكون بعيدة عنها كل البعد ومختلفة عنها كل الاختلاف عن الأخرى. إنها العولمة بكل أشكالها وطرقها بما فيها عولمة العنف والإرهاب. إن عولمة العنف لم تكن لتنجح لو أن الدول نجحت في خلق ظروف وفرص إنسانية واجتماعية متساوية لجميع مواطنيها وخاصة للشباب الذي يعد المحرك الرئيس والمستهلك الأول لأدوات العولمة المختلفة. فالإحساس بغياب العدالة الاجتماعية والمساواة والشعور بالظلم هو إحساس قاتل يولد شحنة كبيرة من الكره والانتقام بمقدورها أن تحرق كل ما أنتجته العولمة من منتج ايجابي