عندما بدأت حركة الاحتجاج السورية وانطلقت المظاهرات، لم تكن هذه الحركة تنبثق من منطلقات أيديولوجية التف حولها المتظاهرون، ولا تحمل برنامجاً يعبر عن مطامح تيار سياسي واجتماعي بعينه، كما لم تنطلق من رؤيا مسبقة لأهداف محددة، وإنما كانت تعبيراً عن رفض لواقع قائم نادى المحتجون بتغييره أو إصلاحه أو على الأقل تحسينه، دون أن يعتمدوا لا على خطة ثورية، ولا على هدف ينحو إلى تغيير جذري للنظام، ولم تتجاوز مطالبهم حينها أهدافاً أولية عامة ذات طابع أخلاقي، في أول الأمر، أكثر مما هي ذات طابع سياسي.
رغم أن الشرط الموضوعي القائم في سورية، السياسي منه والاقتصادي والاجتماعي، يشجع على طرح المطالب ذات العلاقة بتغيير بنية النظام ومنهجه وأساليب إدارته للدولة والمجتمع، ومع ذلك فإن الشعارات التي طرحها المحتجون لم تتجاوز مطالب ما قبل الحد الأدنى، فكان الشعار الرئيس الذي نادوا به وتبنوه في الأسبوعين الأولين من انطلاق حركتهم الاحتجاجية هو شعار (الشعب السوري ما بينذل) وهو شعار بسيط بديهي بدائي، فما من شعب في عالمنا إلا ويرفض الذل؟ والذي حصل أن السلطة السياسية، وعلى التحديد أجهزة الأمن، بدلاً من أن تتفهم أسباب طرح الشعار، وتعمل على تعديل ممارساتها وتعاملها مع المواطنين، اعتبرت أن طرح هذا الشعار هو نوع من التحدي للسلطة وفعل تمرد واجهته بالعنف والقمع، بل بأقصى درجات العنف (أطلقت النار على المتظاهرين وقتل أربعة منهم) مما أدى تلقائياً وخلال أسبوعين من التحدي المتبادل، إلى طرح شعار آخر مسيّس هذه المرة، وهو المطالبة (بالحرية).
وقد ترافق طرح هذا الشعار مع تأكيد المحتجين على سلمية نشاطهم واحتجاجاتهم، ولم تلتقط لا أجهزة الأمن ولا السلطة السورية هذا التطور النوعي، ولم تحاول أن تستوعب معنى تصعيد هذا الشعار، وبالتالي لم تعمل على إصدار قرارات أو تشريعات إصلاحية، تؤكد فيها ومن خلالها أنها بدأت فعلاً باحترام حرية المواطنين الفردية والجماعية، بل على العكس كنا نشاهد على شاشة التلفزيون رجال الأمن يضربون المتظاهرين ويعيبون عليهم أنهم يطالبون بالحرية. بل ويسخرون منهم لأنهم يطرحون مثل هذا الشعار. وأمام عنت السلطة وضغوطها ورفضها حوار المحتجين، وإصرارها على تبني الحل الأمني العنفي، طوّر المحتجون شعارهم تلقائياً إلى شعار (الشعب يريد إصلاح النظام) فزادت أجهزة الأمن عنفها وملاحقتها للمحتجين واعتقالهم وتعذيبهم، وتعاملت مع مناداتهم بإصلاح النظام على أنها جريمة كبرى تكاد تصل إلى درجة الخيانة الوطنية.
ويرى المراقبون السياسيون أن الحكمة كانت تقتضي أن تبادر السلطة إلى إصلاح النظام فعلاً أو البدء في إصلاحه، وأن تستجيب لمطالب المحتجين، وتتعاون معهم وتشعرهم بأنها سلطتهم وأن الدولة هي دولتهم. وهذا ما لم تفعله. وأمام هذا التجاهل وممارسة العقوبات الفردية والجماعية ومنع الاحتجاج، ورفض الحراك الجماهيري، ومواجهته باستسهال الاعتقال والتعذيب، رفع المتظاهرون وتيرة تطرف شعارهم فصار (الشعب يريد إسقاط النظام) مع ملاحظة دائماً أن تطور مضمون هذه الشعارات أو تدرجها لم يكن مكتوباً مسبقاً ولا مقرراً مسبقاً، بل كان رد فعل تلقائيا على ممارسات السلطة ضد المحتجين وشعاراتهم، وعدم محاولتها التقاط الفرص واستيعاب المطالب، بهدف الوصول إلى اتفاق ووفاق وطني، وعدم اعتبارها أعمال الاحتجاج بمثابة الصدمة التي توقظ النائمين.
لكل فعل رد فعل، وهكذا دون تخطيط مسبق، أو خطة متفق عليها، وأمام تبني السلطة كلياً ومطلقاً الحل الأمني، تصاعدت شعارات المحتجين، وارتفعت وتيرتها، وكان كل شعار يقود إلى شعار آخر أكثر تطرفاً وأشد قسوة على النظام، والخشية بعد الآن أن يقود تصعيد مطالب المتظاهرين واحتجاجاتهم إلى المزيد من عنف السلطة، ليصل الأمر إلى طريق اللاعودة عن الحل الأمني التي يبدو أنها تبنته بلا تردد ولا رجعة، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى طرح شعارات جديدة من قبل المتظاهرين أكثر تطرفاً، تشكل مقدمة لوقوع كارثة كبرى تكون تمهيداً لانتحار جماعي، أعني بذلك طرح شعارات اللجوء إلى العنف والدمار.
إن هذه الافتراضات المتعلقة بتصعيد شعارات المحتجين وممارساتهم، ليست مكتوبة مسبقاً، ولا متفقاً عليها، ولم يقرها المحتجون أو المعارضة السورية التقليدية وأحزابها، وإنما كانت رد فعل على ممارسات السلطة وعنتها وتجاهلها مطالب المحتجين المصرين عليها، خاصة بعد أن تصلب عودهم، في الوقت الذي تعتقد السلطة فيه بأن حلها الأمني سيقضي على المظاهرات وأعمال الاحتجاج وسيعيد الجميع إلى بيت الطاعة، وما دامت العلاقة الجدلية بين الحل الأمني والاحتجاج في تصاعد، فقد لا تكون نهايتها سعيدة لأحد.
هكذا تحولت صرخة احتجاج أطلقها متظاهرون تحت شعار «الشعب السوري ما بينذل»، رداً على سجن أطفال وتعذيبهم في مدينة درعا، إلى شعارات ما لبثت تتصاعد يوماً وراء يوم، وتكتسي مضموناً سياسياً لا لبس فيه، بسبب رفض السلطة سماعها، لافتراضها الكارثي أن الحل الأمني كفيل بحل أعقد المسائل، وعدم إيمانها بالحوار مع الشعب، وبالحل السياسي، وهو الوحيد الكفيل بالوصول إلى توافق واتفاق.
يبدو أن السلطة السورية لم تأخذ العبرة مما حصل، ولم تدرس الظاهرة وتفهمها فهماً جيداً لتستطيع حلها، وإن لم يحصل ذلك في وقت قريب فلا شك أن نهاية الطريق لن ترضي أحداً.
كاتب سوري