في 12 أغسطس 2011 قررت حكومة اليابان إنشاء هيئة جديدة في وزارة البيئة، لمراقبة استخدام الطاقة النووية. وأعطيت الهيئة استقلالية الحركة عن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة، التي مولت بناء المفاعلات النووية في منطقة فوكوشيما التي تعرضت لأضرار بالغة.
بعد الزلزال المدمر الذي ضرب اليابان في 11 مارس 2011 وما رافقه من أمواج تسونامي عاتية. وقد تسبب في أسوأ كارثة نووية تشهدها اليابان منذ مأساة هيروشيما وناغازاكي، فطالت منطقة سنداي ومناطق يابانية أخرى، وصولا إلى العاصمة طوكيو على بعد أكثر من مائتي كيلومتر عن مركز التسرب النووي.
تندرج الهيئة في إطار الجهود التي بذلتها حكومة اليابان لامتصاص النقمة الشعبية، وإعادة الثقة إلى نفوس اليابانيين بوجود أفضل معايير السلامة للوقاية من الإشعاع النووي. فأنشئت تحت ضغط مظاهرات حاشدة اجتاحت شوارع اليابان مرات عدة، وآلاف المقالات الصحفية والمحاضرات الأكاديمية التي نددت بسياسة اليابان النووية، واعتمادها المفرط على استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية في المنطقة الأكثر تعرضا للزلازل المدمرة.
اعتبرت مأساة اليابان النووية الأخيرة أسوأ كارثة شهدها العالم منذ قرابة ربع قرن مضت على كارثة تشيرنوبيل، فتعرضت حكومتها لانتقادات عنيفة من مختلف الأحزاب والمنظمات الرسمية والشعبية، ونشرت مؤخرا خطب عنيفة ألقاها مسؤولون يابانيون في الذكرى السادسة والستين لمأساة هيروشيما وناغازاكي التي أقيمت في السادس والتاسع من آب 2011.
من المتوقع أن تضم الهيئة الجديدة للأمان النووي والصناعي، منظمات استشارية حكومية، وخبراء من دول أخرى. وقد وضعت في رأس أهدافها استعادة ثقة الشعب الياباني بالمنشآت النووية اليابانية، مع ضمان فاعلية الإشراف المباشر على عملها من جانب اختصاصيين عالميين من ذوي الكفاءة العالية في هذا المجال.
ووعد الوزير المكلف بمعالجة الأزمات النووية في اليابان، بأن تضم الهيئة الجديدة أكثر من أربعمائة مسؤول من ممثلي وكالات الطاقة، لوضع قواعد صارمة جدا تضمن بناء محطات سليمة للطاقة النووية، كما تضمن إدارتها بشكل جيد، ومراقبة عملها بصورة مستمرة.
تجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن الدولي أصدر بتاريخ 24 سبتمبر 2009، القرار رقم 1887 الخاص بمراقبة انتشار المفاعلات النووية، وذلك بإجماع أعضائه في جلسة خاصة ترأسها الرئيس الأميركي باراك أوباما.
وكان الهدف من القرار طمأنة شعوب العالم بوجود التزام دولي للحد من انتشار الأسلحة النووية، ومنع تحويل مواد نووية إلى أسلحة.
وصادق مجلس الأمن على مشروع القرار الذي اقترحته الولايات المتحدة وتضمن تسعة وعشرين بندا.
وقد أوكل إلى المجلس أمر الرقابة على الأسلحة النووية، وفرض عقوبات قاسية على من يخالف بنود القرار. فطالب بخفض انتشار السلاح النووي ومنع بعض الدول من امتلاكه، واعتماد أساليب جديدة لزيادة الشفافية في مراقبته.
لعل الهدف المشترك من إصدار ذلك القرار الدولي وإنشاء الهيئة الجديدة في اليابان، هو تحقيق أهداف إنسانية بامتياز، لبناء عالم خال من الأسلحة النووية. علما بأن هناك دلائل كثيرة أعقبت صدور القرار الدولي، ومنها مأساة الإشعاعات النووية التي تعرضت لها اليابان في أعقاب كارثة فوكوشيما، نبهت إلى وجود انتهاكات لا حصر لها للاتفاقات الدولية بشأن حظر انتشار الأسلحة النووية.
فما زالت إسرائيل ترفض وضع سلاحها النووي تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، دون أن تفرض عليها أية عقوبات من أي نوع كان. لذا لم تتحول المصادقة على قرار مجلس الأمن إلى عمل جماعي يعزز ركائز التعاون الفاعل للدفاع عن معاهدة حظر الانتشار النووي ومعاقبة من يخالف بنودها.
على العكس من ذلك، وقعت اتفاقيات جديدة لإقامة مفاعلات نووية لأغراض سلمية، في دول عدة لا تمتلك الحد الأدنى من مقومات الرقابة للحماية من مخاطر تسرب الإشعاعات النووية.
فغالبية الدول التي شرعت في بناء تلك المفاعلات على أراضيها، غير قادرة على حمايتها، وليست لديها المعرفة العلمية والتقنية لتجنب آثارها السلبية على سكانها عند بروز عطل في المفاعلات، لأسباب ذات صلة بغضب الطبيعة كما حصل في اليابان، أو نتيجة أعمال تخريبية.
وتعمل اليابان على مواجهة الأزمات المدمرة الناجمة عن غضب الطبيعة أو التصنيع غير المراقب، وبدأت تخطط لمرحلة ما بعد الكارثة، مستندة إلى صمود اليابانيين الرائع وقدرتهم على التحمل.
ومع أن تكرار المأساة النووية من هيروشيما إلى فوكوشيما لم يضعف إيمان الشعب الياباني بقدرته على البقاء في وطنه متحديا جميع المخاطر، إلا أن تيارا واسعا جدا بدأ ينتشر في اليابان للضغط على القوى السياسية والصناعية، وفرض تغيير جذري في مجال السياسة النووية، والحد من استخدامها لأغراض سلمية على المستويين الياباني والكوني.
إلى جانب الشعب الياباني، تبدي شعوب العالم قلقا بالغا من تحديات الانتشار النووي، خاصة بعد الآثار الرهيبة التي خلفها زلزال اليابان الأخير.
فليست هناك منظمات دولية قادرة على منع انتشار الوقود النووي، أو الحد من مخاطر استخدامه بصورة عقلانية. ورغم تطورها التكنولوجي الهائل، تعيش اليابان اليوم هاجس الخوف على المصير من جراء الاستخدام المفرط للمفاعلات النووية.
وليست هناك ضمانات جدية، في اليابان وخارجها، للوقاية من خطر تسرب الاشعاعات، كما أن الأمم المتحدة مشلولة الإرادة وعاجزة عن فرض رقابة صارمة على بناء المفاعلات النووية ومراقبة العاملة منها.
ختاما، تعمل اليابان على معالجة بعض النتائج السلبية للزلزال المدمر، وتنبيه الرأي العام الدولي من مخاطر كوارث محتملة في جميع الدول التي تعتمد الطاقة النووية لأغراض سلمية أو عسكرية. فعالم اليوم يعيش مرحلة التاريخ الكوني الذي يجمع شعوب العالم في مركب كوني واحد، معرض دوما لكوارث مدمرة بعضها من صنع الطبيعة، وبعضها الآخر من صنع البشر أنفسهم.
ويعم العالم قلق بالغ من الانتشار النووي ومخاطر تسرب الإشعاعات، التي تعجز حتى الدول المتطورة عن ضبطها أو منع تمددها. ومن أولى واجبات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تضع حدا للسباق النووي، سواء لأغراض عسكرية أو سلمية.
وتقدم الهيئة اليابانية الجديدة لمراقبة استخدام الطاقة النووية، نموذجا يحتذى لفرض رقابة دولية صارمة تضم اختصاصيين من ذوي الشهرة العالمية والمناقبية الأخلاقية، وقادرة على اتخاذ تدابير فورية لضمان السلام العالمي، وإجراء مفاوضات جدية وملزمة لنزع السلاح النووي، ومراقبة استخدام الطاقة لأغراض سلمية.