يأتي شهر رمضان وتأتي معه وجبة تفوق طاقة المتابعة، من الأعمال الدرامية التي يتم الاستعداد لها منذ زمن لما تحظى به من جذب جماهيري يفوق الكثير من البرامج، رغم أن ما يشهده الشارع العربي من أحداث وملمات يتفوق على أعظم الأعمال الدرامية المقدمة على الشاشات، والتي حولت شريحة كبيرة من المشاهدين من متابعة الدراما التلفزيونية.. إلى متابعه تراجيديا أحداث الشارع في بعض دولنا العربية، بملهاتها ومأساتها.
ولأن تاريخ الدراما العربية ما كان له في نفس المشاهد الذي كان في عقود سابقة، وقبل انتشار الفضائيات وساعات البث التي لا تتوقف، يفرغ نفسه في أوقات بعينها لمتابعة مسلسل أو يجلس لفترات متأخرة من الليل ملتفا بأفراد أسرته انتظارا لفيلم السهرة.
ولأن الدراما هي الباب الواسع لعرض ثقافات الشعوب ومنظوماتها القيمية، كما أنها سبقت التمثيل الدبلوماسي بين الدول، فقبل أن تنشأ السفارات كانت الدراما هي السفير بين الشعوب، وفي أحيانا كثيرة كانت سببا في قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول وفي صناعة الأزمات وتفاقمها.
كما أنها مرآة الشعوب في أزمنة كان من الصعوبة بمكان التنقل بين بلاد الله لمعرفة الثقافات عبر المعايشة الواقعية. فكثير منا بنى صورا في مخيلته لواقع مجتمع من المجتمعات، عبر ما شاهده من مسلسلات تليفزيونية أو أفلام سينمائية، بل وبنى تقديره وتعظيمه لتاريخ شعب دون غيره، عبر ما شخصته الدراما التي تفوق في تأثيرها الصحيفة والكتاب "فالصورة تغني عن ألف كلمة".
فضلا عن أن الدراما تحول النص الجاف إلى شعور وإحساس وعاطفة تنفذ إلى القلب، وتبقى ملامحها في الذاكرة لا تقتصر على الشخوص فحسب، بل تؤرخ للعمارة وأشكالها والأماكن وملامحها، وحياة الناس ومسلكهم في الملبس والمسكن ومصادر كسبهم ومعاناتهم وإنجازاتهم، فهي الذاكرة المرئية لتاريخ البشر في الإخفاقات والانتصارات.
ولأن الأمر كذلك، فإن السؤال الذي أود طرحه الآن في ظل حالة الانفتاح الإعلامي الذي تشهده الشاشات العربية، والتي تتجاذبنا فيها المواد المقدمة تارة يمنة وأخرى يسرة، وفي ظل كل هذه الإمكانات الإنتاجية المتعاظمة والمدن الإعلامية التي تزداد يوما بعد يوم، إضافة إلى قوة الدفع الهائلة والمتمثلة في المهرجانات الفنية التي نشهدها كل عام، فإن السؤال هو؛ هل استطاعت الدراما العربية أن تعبر بحق عن واقع العالم العربي، أم أنها صنعت واقعا خاصا بها وسعت إلى تكريسه وفرضه على المشاهد؟
هل الشخصيات المقدمة في الدراما العربية تعبر عن ما يراه المشاهد حوله في الشارع والعمل والمنزل، أم أنها تعج بنماذج نشاهدها فقط على الشاشات؟
هل القضايا التي يتم تناولها تعكس اهتمامات الناس وما يشغل بالهم، سواء في بعدها التاريخي أو أحداثها الآنية، أم أن التجاذبات الحالية والهوى السياسي أقوى من المعايير المهنية والأمانة التاريخية؟ هل الدراما العربية ما زالت لها القدرة على الاحتفاظ بالمشاهد العربي وحمايته من الاختطاف إلى غيرها أو يصبح كالأيتام على موائد اللئام؟ أم أن القضية لا تتعدى ملء ساعات البث؟
في تقديري أن الدراما العربية، رغم تجربتها التي ليست قصيرة، ما زالت تعاني وتدور في دائرة لم تستطع الفكاك منها، وإن اختلفت الصورة فإن الموضوع واحد والحالة كما هي.
وهنا لا أتحدث عن عمل بعينه، ولكن عن حالة عامة ومشهد تتغير فيه الشخوص والأدوات، لكن الفكرة ثابته والإبداع ما زال دون الطموح ودون المتاح، وإلا أين هي الأعمال التي تعتبر محطات يمكن الوقوف عندها في العقدين الأخيرين؟ إذا أنصفت فلن تجدها تتعدى أصابع اليد الواحدة، وسط طوفان من الأعمال المقدمة والتي تمر مرور الكرام لا أثر لها ولا قيمة.
ومن أكثر الدلائل التي تؤكد السير واقفا للدراما العربية، هي تناولها لنموذج المرأة العربية وقضاياها، وخاصة أن بعض الأعمال الدرامية المعروضة حاليا شخصياتها المحورية والتي تدور حولها الأحداث امرأة، وإن كانت تتناول سيرا ذاتية، والتي أتوقف فيها عند نقطتين أساسيتين، أولاهما أن الإغراق في تقديم السير الشخصية يرجع عندي في جانب منه إلى الاستسهال أو الجدب الفكري الذي يسعى من خلاله صناع الدراما للهروب إلى الأمام.
كما أن تقديم السير الذاتية لا بد أن يخضع لضوابط فنية ودرامية تجعله جديرا بأن تدار الكاميرات من أجله ويقدم للناس، وأن يكون في مشوار حياة أصحابها ما يستحق أن يجلس الناس أمامه لمدة ساعة على مدار الشهر. إن صورة المرأة المقدمة في الدراما التليفزيونية.
ما زالت في عمومها هي ذات الصورة التي يريد القائمون على صناعة الدراما تقديمها لنا، سواء كانت لها أصل في الواقع أو تجافيه، فما زالت المرأة التي تُعرض هي التي تعتمد على أنوثتها في الوصول إلى ما تصبوا إليه، وكأنها كائن لا قدرات له تؤهله لتحقيق نجاحات باستحقاق فكري أو مجهود حقيقي. وفي يقيني أن هذا امتهان للمرأة وتزييف فاضح لواقع استطاعت فيه أن تتولى مسؤوليات عن جدارة، وحققت إنجازات عجز عنها غيرها.
كما أن صورة المرأة التي تتحكم العاطفة فقط في تصرفاتها وانفعالاتها وكأنها بلا عقل، أو التي تكرس جل اهتمامها في التنقل بين دور الأزياء وأماكن التجميل والسعي للإيقاع بالرجل أوخيانة الزوج والتحلل من مسؤولياتها، هو ظلم بَيٍن لواقع المرأة العربية التي شاركت زوجها تحمل المسؤولية، وكانت معه يدا بيد وكتفا بكتف داخل البيت وخارجه، وهي كذلك المرأة التي قد تترمل وهي في سن مبكرة، فتحنو على صغارها حتى ترى غرس يديها ونتاج سنوات المعاناة قد باتت شجرة قوية قادرة على نفع غيرها، وهي تفعل ذلك بحب ودون أن تَمُن على أحد بما بذلته من جهد وما أفنته من عمر.
كما أن تقديم المرأة العربية بشكل دائم في صورة المضطهدة من قبل الرجل، والتي تظل واقفة إلى حين يفرغ من طعامه كما قال لي أحد البريطانيين، هو مغالطة صريحة لدورها في الأسرة، والتي يوكل إليها فيها الرجل المسؤولية الأكبر في إدارة شؤون البيت واتخاذ كافة القررات، حتى وإن بدا أمام الأبناء أنه صاحبها.
ومع تقديري للمهن كافة ما دامت المرأة تؤدي دورا في بناء المجتمع، إلا إنني أود من الباحثين وصناع الدراما أن يقوموا بحصر عدد الأدوار التي ظهرت فيها المرأة بصورة طبيبة أو عالمة وأستاذة جامعية أو مهندسة أو إنسانة ناجحة في عملها.
وعدد الأدوار التي ظهرت فيها بمهن تعتمد في معظمها على تسلية الرجل أو أغوائه أو التلاعب به أو التحايل عليه، أو التي لم يحدد لها دور مهني في الأصل لعدم الاهتمام بها.. لندرك أن صناع الدراما يعيشون في واد، وواقع المرأة الذي سبق صورتها المقدمة دراميا في واد آخر، على الرغم من أن الدراما من المفترض أن تمثل قوة دافعة لتغيير واقع، أو أن تعكسه بدلا من تزييفه.