اليهودي التائه شخصية خيالية خرافية، عن رجل يهودي يحكم عليه بالتجوال على الأرض إلى الأبد، عقاباً له على ضرب السيد المسيح وإيذائه. وفي قول آخر، يشير المصطلح الذي ابتدعه قدامى المتعصبين المسيحيين، إلى تشتت اليهود في جهات الدنيا جزاء قتلهم المسيح.

في كل الأحوال يبدو تجوال اليهودي بمثابة عقوبة أبدية مؤلمة على فعل شائن جداً. وفي المكلمات الشعبية، تمددت شخصية هذا الجوال التائه لتشمل اليهود جميعهم وتنسحب عليهم بأكملهم.

الآن تنسج السيرة الصهيونية دون قصد حكاية أخرى، لن تكون هذه المرة من وحي الخيال والخرافة ومسامرات المساء، وإنما سيكون لها أصل وفصل في الواقع. إنها قصة الإسرائيلي التائه، التي تعبر عن أحد مظاهر فشل الوعد الصهيوني على أكثر من مستوى وصعيد. الإسرائيلي التائه هو فرد يتمنى أن يغادر إسرائيل في أول فرصة سانحة، أو غادرها بالفعل إلى أحد بلدان عالم الغرب، لا سيما الولايات المتحدة.

ومما تتداوله الأدبيات ذات الصلة بشأن دوافع المغادرين، السعي إلى أحوال معيشية ومالية أفضل، والحصول على مهن وتوظيف وتعليم أرخص و«... التشاؤم إزاء إحلال التسوية والسلام مع الفلسطينيين والعرب». وتبدو هذه الأسباب تقليدية ويسيرة الفهم قياسا بعامل آخر، تم التأكد بحثياً من دوره في تحريض الإسرائيليين على الخروج من الدولة بالقليل جداً من الأسف؛ وهو «خبرة الإسرائيليين في الهجرة والتنقل...»! ذلك أن 40% من الإسرائيليين مولودون خارج إسرائيل.. وهكذا فإن الهجرة والتنقل ليسا بالشيء الطارئ بالنسبة للكثيرين منهم.

والواقع أن حجم التيه الإسرائيلي ليس هيناً، مقارنة بالقوام السكاني لمجموع الإسرائيليين أنفسهم. تقول بيانات حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، إن ثمة ما بين 800 ألف إلى مليون إسرائيلي يمثلون 13% من السكان، يعيشون في الخارج. هذا معدل مرتفع للغاية بالنسبة لدولة يقال إنها نشأت لتكون ملاذا آمنا لليهود وتضع حدا نهائيا لتيههم.

 وضمن هذا الرقم يعيش نحو 550 ألف إسرائيلي خارج الدولة لأكثر من سنة. ومن غرائب هذه الظاهرة ومفارقاتها، أن زهاء 90% من هؤلاء الأخيرين يستقرون في الولايات المتحدة ودول أوروبا، أي في عالم الغرب المتهم بالمسؤولية عن تيه اليهود واضطهادهم!

ومن خصائص المستقرين والباحثين عن الاستقرار في الخارج، أنهم أصغر عمرا وأرفع تعليما من المهاجرين إلى إسرائيل، وهذا ما يعجل بشيخوخة الإسرائيليين. وطبقا لاستطلاعات حديثة، عرضت في أول مؤتمر للإسرائيليين المقيمين في الخارج عقد في يناير 2011، فإن 50% من قطاع الشباب الإسرائيلي يفضلون العيش خارج الدولة لو أتيحت لهم الخيارات والفرص.. كما أن نصف مليون إسرائيلي يحملون جوازات سفر أميركية، ويتزوج ربع الإسرائيليين في أوروبا من غير إسرائيليات أو يهوديات.

هذه المعطيات ونحوها، تشكل مصدر أرق وإزعاج للنخبة الحاكمة الصهيونية، ولا سيما لجهة تداعيات التيه الإسرائيلي المتنامي ودوره في تقويض الأسس الأيديولوجية للصهيونية. والفكرة التي تراوح في المداولات الموصولة بهذا الهم، هي أنه إذا كان الإسرائيليون أنفسهم يفضلون الهجرة المعاكسة، فلماذا يهاجر إلى إسرائيل يهود مندمجون أصلا في بلدانهم الأم؟..

والشاهد أن الهجرة المعاكسة في سياقها الإسرائيلي ذي الطبيعة الأيديولوجية الخاصة، تحمل مكونات ظاهرة الإسرائيلي التائه القابلة للتكاثر والنمو. وفي تقديرنا أن هذه الظاهرة، من حيث التكوين والمسار والنتائج، ليست مجرد حاصل عمليات حسابية صماء بالجمع والطرح والقسمة.. إنها في التحليل الأخير مؤشرعلى تصدع روح المشروع الصهيوني.

فالفكرة التي يبيعها هذا المشروع هي «الكفاح» من أجل تكريس دولة تحتضن اليهود التائهين، وتقضي على غربتهم وهيامهم بين الأمم إلى الأبد. لكن عودة هؤلاء اليهود بعد «تأسرلهم»، إلى البحث عن ملاذات أخرى خارج هذه الدولة، ليست سوى إعادة إنتاج وتدوير لمفهوم التيه والغربة.

وتوحي النظرة المعمقة أن خطر الإسرائيلي التائه، لا يقتصر على احتمال المساهمة في تفريغ الكيان السياسي للصهيونية من بعض قطاعاته السكانية المتميزة، وإنما يمتد أيضا إلى تشكيك «اليهودي التائه» في صحة الفلسفة التي قام عليها هذا الكيان.

فهجرة اليهودي التائه إلى إسرائيل ثم هجرته المعاكسة منها، لن تكون تجربة عابرة أو بلامغزى، لأن هذا المهاجر، الإسرائيلي هذه المرة، سيحمل معه ذكريات مريرة، أو أقله غير مريحة، عن الدولة التي اجتهدت الصهيونية في ابتداعها وتلفيقها.

نود القول بأن الإسرائيلي التائه سيتحول، بإرادته أو رغما عنها، إلى شاهد عيان على فشل الكيان السياسي الصهيوني في حل مشكلة التيه اليهودي المزعومة، الأمر الذي سيرغم اليهود في مختلف العوالم على التساؤل والتفكير أكثر من مرة، قبل الاستماع إلى نداءات مؤسسات الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية والاستجابة لخطابها وإغراءاتها.

لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى جهد فلسطيني وعربي رديف، يبصر يهود العالم بأن الحل الصهيوني ليس هو أنجع الخيارات لتسوية مصيرهم في هذا العالم.. تماما كما توقع بعض عقلاء اليهود قبل مئة عام.