يذكرنا الصراع على الإنترنت، بالمسلسل الكرتوني الشهير "توم أند جيري". ففي الوقت الذي يسعى البعض فيه إلى إنشاء شبكات لا يمكن للأنظمة حظرها أو مراقبتها، تسعى هذه الأنظمة إلى إحكام سيطرتها على الشبكات، وحظر ما تريد حظره من المواقع، وإبقاء ما تريد إبقاءه متاحاً للجمهور. ولكن من هو "توم" ومن هو "جيري" في هذا السباق المحموم للسيطرة على الإنترنت؟

قبل فترة، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الإدارة الأميركية تعمل على مشروع عالمي لإنشاء شبكة إنترنت لا يمكن حظرها أو فرض رقابة عليها، وتوفير شبكة هواتف محمولة مستقلة لا يمكن للسلطات دخولها، مما يمكن المعارضين من الالتفاف على الرقابة.

وقد توصلت الصحيفة إلى هذه المعلومة استناداً إلى مقابلات عديدة أجرتها، وإلى وثائق ومذكرات دبلوماسية سرية حصلت عليها. وبحسب هذه المقابلات والوثائق، فإن الولايات المتحدة تقود مشاريع سرية من أجل أن تنشئ في دول محددة، شبكات للهواتف المحمولة منفصلة عن شبكات الهاتف في هذه الدول، كما تقود مشروعاً أقرب ما يكون إلى رواية بوليسية، لإقامة شبكة إنترنت خفية.

وتقوم وزارة الخارجية الأميركية بتمويل هذا المشروع، الذي يعتمد بعض تطبيقاته على التكنولوجيا الحديثة الجاري تطويرها في الولايات المتحدة، في حين يعتمد بعضها الآخر على ما سبق وابتكره قراصنة الإنترنت.

واضح أن الملهم لهذه الأفكار هو ثورات "الربيع العربي"، التي كان قطع الإنترنت وشل شبكات الهاتف المحمول من الأسلحة التي استخدمتها الأنظمة لكبح جماح المطالبين بالتغيير، ولكن يبدو أن إيران هي أول المستفيدين من أخطاء هذه الأنظمة، فقد استبقت الأحداث وبادرت إلى إنشاء شبكة إنترنت وطنية، تحجب من خلالها المواقع التي تريد حجبها، وتتيح لمواطنيها الدخول إلى المواقع التي لا ترى منها ضرراً. الطريف أن السلطات الإيرانية أطلقت على شبكتها هذه اسم "الإنترنت الحلال"، بدعوى أنها لا تتضمن مواقع إباحية، وتحت هذا المسمى ستقوم بحجب مواقع للمعارضة ووسائل إعلام أوروبية وأميركية، بالإضافة إلى مواقع للتواصل الاجتماعي مثل "تويتر" و"فيس بوك".

إلى أي مدى يمكن أن تنجح وسائل الحجب في الحد من طموح المصممين على اختراق هذه الوسائل؟ ربما يجدر بنا أن نلقي نظرة على التقرير الذي نشرته منظمة "مراسلون بلا حدود" العام الماضي، بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الرقابة الإلكترونية، حيث أعدت لائحة أطلقت عليها "أعداء الإنترنت"، جمعت فيها من أسمتهم أسوأ منتهكي حرية التعبير على شبكة الإنترنت، وضمت العديد من الدول، من بينها أربع دول عربية، كانت منها مصر وتونس التي اعتبرت أنظمة الترشيح فيها، هي والصين، الأكثر ابتكاراً.

لكن المفارقة العجيبة التي حدثت، هي أن تونس كانت أول دولة عربية يسقط فيها النظام نتيجة ثورة شعبية، لم تكن لها وسيلة اتصال بين الثائرين سوى الإنترنت والهواتف المحمولة، ثم تبعتها مصر التي لم يصمد نظامها أكثر من 18 يوماً، رغم قطع الإنترنت وشل شبكات الهاتف المحمول.

ليست الأنظمة القمعية وحدها المتهمة بانتهاك حرية التعبير عبر الإنترنت، فالديمقراطيات الغربية ليست بمنأى عن المنطق الرامي إلى ضبط الشبكة وفق ما جاء في التقرير، فباسم مكافحة إباحية الأطفال وسرقة الملكية الفكرية، اعتمدت السلطات في فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وأستراليا قوانين مراسيم، أو تتولى النظر فيها، من شأنها الحد من حرية الدخول إلى الإنترنت.

وحدها الدول الإسكندنافية تتخذ مساراً مختلفاً، ففي فنلندا يتحول النفاذ إلى الإنترنت إلى حق أساسي للمواطنين كافة، بموجب مرسوم دخل حيز التنفيذ في الأول من يوليو عام 2010م، ينص على ضرورة أن يستفيد كل مواطن من وصلة لا تقل عن 1 ميغابايت، من المفترض أن تصبح 100 ميغابايت على الأقل.

أما أيسلندا فقد أقر برلمانها بالإجماع "المبادرة الأيسلندية للإعلام الحديث"، التي تهدف إلى حماية الصحافيين ومصادرهم، وتضمنت المبادرة قانوناً لحماية الحريات على الإنترنت عبر ضمان شفافية المعلومات واستقلالها، لتصبح أيسلندا بذلك جنة إلكترونية للمدونين.

من يملك الفضاء الإلكتروني؟ سؤال يجدر طرحه في ظل المطاردة المستمرة بين جهود السيطرة على الشبكة ومحاولات اختراقها، حيث تقوم الحرب الإلكترونية على فعالية الأسلحة المتاحة لكل من طرفي المعركة: أنظمة ترشيح ومراقبة أكثر كفاءة، مقابل تشفير للرسائل الإلكترونية وخوادم بروكسي وأدوات تحايل على الرقابة أكثر تطوراً.

هذه هي الخلاصة التي نخرج بها من تقرير "مراسلون بلا حدود"، الذي يصنف الدول إلى "أعداء الإنترنت"، و"دول قيد المراقبة" عليها أن تحرز بعض التقدم تفادياً لانزلاقها إلى لائحة الأعداء.

هل يمكن أن يكون السحر قد انقلب على الساحر في بعض الدول؟ سؤال نطرحه في ضوء ما نُشِر الأسبوع الماضي من أن عدداً من الرسائل المتداولة عبر "بلاك بيري ماسنجر"، كانت وراء احتدام الغضب بين مثيري الفوضى في بريطانيا، وأنها استُخدِمت لتنسيق أعمال الشغب. وهو ما أكده رئيس الوزراء البريطاني في كلمته أمام "مجلس العموم"، عندما قال إنهم يبحثون في كيفية منع استغلال بعض الأشخاص لوسائل التواصل الاجتماعي.

هل هو إذن "الربيع البريطاني" الذي جاء على حين غرة متأثراً بالربيع العربي؟ وهل يدفع هذا بريطانيا إلى التفكير في إنشاء شبكة إنترنت وطنية خاصة بها كما فعلت إيران؟

كل هذه أسئلة واردة في ظل السباق الذي نشاهده على امتلاك الفضاء الإلكتروني، ويبقى السؤال الذي ترددنا في طرحه منذ البداية: هل الإنترنت حلال أم حرام؟

أبحروا في الشبكة لتروا العجب العجاب من الفتاوى الواردة في هذا الموضوع، وهي فتاوى يحرم بعضها العمل في توصيل الإنترنت إلى البيوت، ويصل بعضها الآخر إلى درجة «ولا تقربوا الإنترنت» لما فيه من مفسدة للناس والنساء والأطفال والسفهاء والفسقة..

وهي درجة نتمنى أن لا نصل إليها حتى لا نغلق الباب على أنفسنا، في عصر أصبح الانفتاح فيه على الآخرين ضرورة وواقعاً، وقدراً لا يمكن الهروب منه إلا إليه.