عندما تحدثنا في المقالة السابقة عن فوضى الثورات العربية كنا نرمي إلى أن الفوضى بأبعادها الثلاثية هي التي تعم الوضع العربي في معظم ممارساته اليومية الشخصية والرسمية، والدليل على ذلك أنها انعكست بشكل واضح في قاعة محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، في لحظات تاريخية تمر بها الأمة العربية.

 والكل شاهد بأم عينيه كيف كان شكل بداية المحكمة من فوضى وتداخل ومطالبات خارجة عن الموضوع وتطويل وعرض للعضلات من قبل البعض وموقف رئيس المحكمة، ورأينا كيف اندفع المحامون والادعاء العام أمام الحاجز وتنازعوا على الميكروفون وكأننا في طابور شراء الخبز أو ركوب الباصات في مدينة القاهرة .

بينما المتهمون بين واقف وجالس ومتوثب أو واثق بأن العدالة لن تأخذ مجراها كما ينبغي، والكل في قفص أقرب إلى قفص الدجاج منه إلى قفص مجموعة يستلقي بينهم رئيس جمهورية سابق على سرير المرض من بين المتهمين في قضايا قتل وفساد قد تصل عقوبتها إلى الإعدام. هذا وغيرها من المشاهدات التي أضرت بسمعة المحكمة وبسمعة دولة تصل عروق تاريخها إلى زمن الفراعنة. ودل ذلك على أن الفوضى هي ا لتي تسود في كل نواحي حياتنا.

وعندما كنا نتحدث عن فوضى الثورات، فإننا كنا نقصد بأنها لم تكن ثورات بالمعنى الحقيقي للكلمة، حيث لم يسبقها أي تنظيم يذكر ولم تنفجر إلا فجأة ولم تكن موقوتة كما ينبغي.

وأنه لولا قيام البوعزيزي وبقدرة قادر بحرق نفسه في تونس احتجاجا على مصادرة عربته لما اشتعلت نيران الثورة لا في تونس نفسها ولا في مصر ولا في اليمن ولا في ليبيا ولا في سوريا ولا في أي مكان آخر من الوطن العربي. كل شيء حدث هكذا دون سابق إنذار ودون اتخاذ التدابير اللازمة.

ولو افترضنا أنها نجحت بالإطاحة بالرؤوس التي تطالب بإزاحتها، ترى ما هو شكل المرحلة التي ستعقب رحيل النظام السابق؟ وكيف سيتم التصدي لفلول ذلك النظام؟ ومن هؤلاء الذين سيتولون قيادة النظام الجديد وبناء على أي منهج سوف يتم انتخابهم؟

وهل سيستطيع النظام الجديد مقاومة ورفض التدخل الغربي في شؤونه؟ أم أن البلد ستنزلق من جديد في مطحنة الحرب الأهلية للقضاء على الخصم الآخر للوصول إلى سدة الحكم؟

الكل يتمنى في الوطن العربي تغيير حالة الإحباط النفسي العام الذي عايشه أجدادنا وآباؤنا واليوم نحن منذ خروج الاستعمار الغربي (الحقيقة أنه لم يخرج بعد!) في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي. الكل في الوطن العربي ينظر إلى ديمقراطية دول العالم شرقا وغربا كالمتضور من الجوع ينظر إلى موائد الأثرياء دون القدرة على الحصول حتى على قطعة خبز منها.

والكل في الوطن العربي صفق وهلل لنجاح الثورة في تونس وفي مصر وتمنى أن يحصل على مثلها حتى ولو كلفه ذلك حياته. الكل في الوطن العربي يحلم برئيس ينتخبه بنفسه بحرية كاملة وبنزاهة تامة. الكل في الوطن العربي يحلم بدولة ديمقراطية شرعية يحق فيها لأي مواطن أيا كان أصله وفصله غنيا أو فقيرا أسودا أو أبيضا أن يصبح رئيسا لشعبه الذي يختاره ما دام هو من ينتخبه.

ولا أحد يتمنى أن تفشل ثورات الشعب الليبي واليمني والسوري. والوضع الراهن يدل على أن الجرح أوسع من أن يعالج بخيط وإبرة. وأن هناك مراهنات خارجية. ومصالح أجنبية بدأت تتدخل في تغيير مسار تلك الثورات. ولا أدل على ذلك من تصريح السفيرين الأمريكي والفرنسي في سوريا بأنهما سوف يتنقلان بين المدن السورية دون رادع.

فتحولت الثورات في الوطن العربي إلى ساحات وميادين للصراع العالمي إما لوضع اليد على آبار النفط أو لموضع قدم في موقع استراتيجي أو لنشر عقيدة ما أو للدفاع عن أمن إسرائيل.

إن من خطط لتقطيع جمهورية السودان وقسم العراق وقبله لبنان بل العالم العربي كله لن يترك تلك الثورات تقرر مصيرها دون أن يفصل ثوبها بما يتناسب مع قامته. ولو أن تلك الثورات نظمت نفسها وحددت سياساتها وأهدافها ثم تحركت من أرض صلبة لما وقعت فريسة للحيوانات المفترسة. حتى الأسود الشرسة لا تهاجم ضحيتها الضعيفة إلا بعد أن تضع لها خطة ماكرة محكمة في الكر والفر لمحاصرتها والانقضاض عليها.

إن الثورات الشعبية والمقاومة الوطنية في ليبيا وفي اليمن وفي سوريا قد تنجح على أرض المعركة. ثم ماذا؟ يا ترى هل يوجد هناك اتفاق وتنظيم وتوزيع للأدوار بين الثوار من مختلف الاتجاهات التي تشارك في المظاهرات أو المقاومة؟

نحن نعلم بأن الاحتجاجات والمظاهرات سواء في ليبيا أو اليمن أو سوريا تتضمن إيديولوجيات متنوعة ومختلفة وأحيانا متناقضة من هذه المجتمعات. فهناك الإخوان المسلمون واليساريون والوسط، وهناك القاعدة التي لن تقف مكتوفة الأيدي في مثل هذه الاضطرابات الشعبية لخبرتها الواسعة في التخطيط والتنظيم لتحقيق مآربها، وهناك البلطجية والمظلومون والخاسرون، وهناك الموساد و مخابرات النظام القائم والمخابرات الغربية وسماسرة السلاح ومشيعو الفوضى.

وفي مثل هذه الفوضى يصعب أن نفرق بين هذا وذاك. فكل يعمل لجهة معينة ولهدف ثان. بالرغم من أن الهدف الأول متفق عليه: الإطاحة بالنظام القائم. لكن من هم قادة النظام القادم؟ لا أحد يعرف شيئا. أي أنه أيضا المجهول. والسبب؟

قد نتهم بالتشاؤم، ولكن هل يعتبر تشاؤما أن يدرك المريض مرضه حتى يبتغي علاجه؟ إن أولى خطوات البحث العلمي هي تحديد المشكلة وعرضها ثم البحث عن أسبابها والحل لا يأتي إلا في نهاية الأمر.

لقد أنهينا مقالتنا السابقة بجملة: «الوقت ليس متأخراً». أي أننا متفائلون جدا بنجاح هذه الثورات إن وضع لها برنامج شعبي واضح وتنظيم داخلي متماسك يصعب اختراقه ومن ثم وزعت الأدوار فيما بينها بالتساوي. وقد قال الله عز وجل في كتابه العزيز: (وأعدوا لهم ما استطعتم) وذلك قبل الهجوم وليس خلاله.

ونحن لا نشك أن الكثيرين من المشاركين في هذه الثورات قد قرأوا كثيرا واطلعوا على ثورات العالم وكيفية مقاومة المحتل وكيف نجحت أخيرا تلك الثورات، وأنهم سوف يستفيدون من تجارب الآخرين لإنجاح ثوراتهم القائمة والقادمة.

وكل شيء بعون الله....