ولد «علي» في دبي وبالتحديد في مستشفى المكتوم قبل أكثر من أربعة عقود وشهادة ميلاده هي الإثبات الرسمي والسند القانوني الوحيد الذي يمتلكه.
لم يستطع والده إثبات حيازته لأية أوراق ثبوتيــة تثبت هويته أو جنسيته، فقد قدم إلى الإمارات قبل عقود طويلة وعاش وعمل فيها. عــاش «علي» في الإمــارات طــوال حــياته ولم يغــادرها مثله كمــثل المــئات مــن أبناء البدون ولم ينل قسطا وافرا من التعليم ولم يحصل على بطاقة صحية أو سكن مناسب.
وعلى الرغم من ذلك فقــد كان سعيدا في العيــش في بلده حسب قوله والانتماء له . فالانتماء هو الشيء الوحيد الذي لم يتطلب أوراقا رسمية.
تزوج «علي» وأنجب ثلاثة من الأبناء وعلى الرغم من ضائقة العيــش إلا أن أمله في تعــديل وضعــه القانوني والحصول على أوراق رسمية له ولأبنائه لم يتبدد أبدا.
وعندما سمع أن الدولة بصدد إيجاد حل لقضية عديمي الجنسية وإغلاق هذا الملف نهائيا استبشر خيرا فسوف يحصل أخيرا على أوراق ثبوتية تتيح إن لم يكن له فلأولاده سبل الحياة الكريمة كالتعليم والصحة بعد أن ضاقت به هو شخصيا كل السبل .
عمل «علي» جــاهداً على تقــديم كافــة الأوراق الضرورية المتوفرة لديه وأخيرا وبعد طول انتظار وترقب حصل على بطاقة كتب عليها أنه « بدون». أصبح «علي» الآن موجودا رسميا وقانونيا وفي الوقت نفسه غير موجود.
ظل «علي» يتابع كل مجريات هذا الملف يحدوه الأمل في حل وشيك يخرجه من دائرة الشك إلى اليقين وينقله من خانة من لا وجود لهم في الأوراق الرسمية إلى خانة الموجود والمثبت رسميا. وأخيرا أخبروه بأنه لا حل قانوني أمامه سوى تعديل وضعه عن طريق طلب جنسية دولة أخرى، فكر كثيرا في الأمر فليس لديه الكثير من الخيارات.
وعلى الرغم من أنه لم يسمع قط عن هذه الدولة ولا يعرف ثقافتها ولا لغتها إلا أنه تقدم أخيرا للحصول على جنسيتها يحدوه الأمل في أن تكون جنسيتها هو جواز مروره إلى عالم الموجود والمعترف به قانونيا. فعصفور في اليد خيرا من عشرة على الشجرة. انها قصة واحد من فئة البدون.
قصص كهذه كثيرة نسمع عنها يوميا فتبدو فصول بعضها كنسج الخيال عن أشخاص ولدوا وعاشوا في الإمارات ثم اضطرتهم الظروف لأخذ جنسية دولة لم يسمعوا عنها قط ولا يعرفوا شيئا عن ثقافتها أو لغتها ثم انتقلوا إليها بحكم الجنسية لتنقلب حياتهم بعد ذلك رأسا على عقب. قصص كثيرة تثير الأسى في النفس وتدفعنا إلى التفكير في حقوق هذه الفئة إن لم تكن القانونية فعلى الأقل الإنسانية.
في الإمــارات لا تزال هناك ملفات عديدة مؤجلة ومنها فئة من لا يحملون أوراقا ثبوتية وفئة أبنــاء المواطــنات وغيرها. هذه الملفات إن لم تفتح الآن وتسوى نهائيا فسوف تتبلور قضاياها مع الزمن وتظل تكبر لتصبح ملفات ليست مؤجلة بل مزمنة.
وفي الإمارات لا تزال الدراسات الجادة حول الوضع السكاني والاجتماعي والقانوني لهذه الفئات ومدى تأثيره الفعلي على تماسك المجتمع وعلى الوضع السكاني العام قليلة ونتائجها مبهمة. وعلى الرغم من أن قضية التركيبة السكانية ككل لا تزال تشكل هاجسا وتحديا رئيسيا للدولة إلا أن القضايا التي أفرزتها لا تزال تحت السجادة وبعضها يراوح مكانه وهي بلا شك سوف ترمي بظلالها الكثيفة
على الوضع الديمغرافي عامة وعلى التماسك الاجتماعي بأثره. فمما لا شك فيه أن ملف أبناء البدون وملف أبناء المواطنات مرتبط أيضا بملف الأمن والاستقرار الاجتماعي العام.
فهذه الفئات لها ارتباط في الإمارات كما لها جذور نتيجة لالتحامها مع أسر وعوائل إماراتية متعددة نتيجة النسب أو التزاوج.
فاستقرار الأمهات المواطنات من استقرار أبنائهن، واستقرار بعض العوائل الإماراتية من حل قضية «البدون»، وإقفال هذا الملف نهائيا . كما أن إقفال بعض الملفات بصورة عاجلة فيه ضمان لأمن واستقرار المجتمع الإماراتي بأثره.
إن إيجاد بعض الصيغ والحلول الوقتية لبعض الملفات الكبرى بحجة تهدئتها مؤقتا ليس في صالح الأمن والاستقرار الاجتماعي لبلدنا. كما أن بعض الحلول التي أوجدت هي حلول بحد ذاتها مــثيرة للجدل. فأثارها السلبية أكثر من نتائجها الإيجابية .
لذا فإن أمام مجلس التركيبة السكانية مهمات كبرى ووطنية عديدة. فالمهمة الأولى لا شك هي الحفاظ على وحدة وتماسك المجتمع من خلال الاتفاق على مفهوم لصيغة عادلة للتركيبة السكانية يحفظ للمجتمع تماسكه ويخلصه من أي خلل يحيق به. أما المهمة الأخرى فهي إعادة النظر في بعض الملفات المؤجلة كملف البدون وملف أبناء المواطنات وغيرها من الملفات المؤجلة.
فإن فتح هذه الملفات مجدداً وفي ضوء المجريات والمتغيرات العامة وفي ضوء ما يستجد من متغيرات مجتمعية هو لصالح استقرار مجتمعنا وأمننا الاجتماعي.
إن دولتنا في حاجة ماسة إلى دراسة جادة تعيد إلى التركيبة السكانية بعضا من التوازن وتعيد إلى المجتمع بعضا من الأمن والأمان. فالفئات التي عاشت في الإمارات وتحس بالانتماء الفعلي لهذه الأرض هي جديرة وأحق من غيرها بالبقاء بيننا.