بعد فترة من الصمت أو لنقل من الدبلوماسية الهادئة التي اتبعتها المملكة العربية السعودية في التعامل مع الوضع الدائر في سوريا منذ الخامس عشر من مارس الماضي خرجت الرياض عن صمتها أو هدوئها ذلك بكلمة اعتبرت من العيار الثقيل، لأنها لم تخرج كبيان من الخارجية السعودية أو من أي مسؤول سعودي بل جاءت ككلمة على لسان المسؤول الأول العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز.

 كلمة الملك حملت في طياتها رفضاً سعودياً لما يجري في سوريا من أعمال عنف ضد الشعب السوري العربي المسلم، وتدعو إلى الوقف الفوري لمثل تلك الأعمال، وضرورة الاستجابة لمطالب الشارع السوري، وترفض الحجج والادعاءات السورية الرسمية المبررة للاستخدام العسكري. هذا الموقف السعودي الذي عبرت عنه أكبر شخصية سعودية يحمل العديد من الدلالات المهمة التي يمكن استنتاجها من هذا الموقف.

أول هذه الدلالات هي أن السعودية على ما يبدو لم تشأ أن تستمر في الوقوف مكتوفة اليدين لما تراه من أعمال عنف ضد المسلمين السنة في سوريا، وبالذات في هذا الشهر الفضيل. فالسعودية تُعتبر مركز الإسلام، وحامية حمى الدين، والمدافعة عن المسلمين. لذلك فليس من الطبيعي أخلاقياً أن تستمر الرياض في صمتها لما تراه من انتهاكات ضد السنة.

وليس من الطبيعي أن لا تلعب دورها الديني الذي من المفترض أن تقوم به، علماً أن إيران عادة ما تلعب ذات الدور للدفاع عن حقوق الشيعة إذا ما رأت مصلحة لها في ذلك، وأن الفاتيكان يلعب ذات الدور بالنسبة للدفاع عن المسيحيين حول العالم، فلا يمكن بالتالي للسعودية أن تقف صامتة في هكذا ظرف.

ولا يمكن أن نغفل هنا حقيقة أن هناك ضغوطاً قد لعبت دوراً في دفع الرياض نحو التشدد في موقفها من ما يجري في سوريا، حيث لا يمكن أن نت جاهل الضغط الداخلي في المملكة من قبل رجال الدين الذين لا يوافقون على ما يجري في سوريا من قتل للمسلمين السنة.

بالإضافة إلى ذلك فإننا أيضاً لا يمكن أن نقلل من ضغط الشعب السوري المنتفض على الرياض في هذا الاتجاه بعد خروج صوته المندد للصمت العربي بما فيه الصمت السعودي إزاء ما يحدث ضده. لذلك يمكن اعتبار أن التحرك السعودي جاء للدفاع عن الدور السعودي كدولة مدافعة عن حقوق المسلمين، واستجابة للضغوط الداخلية والخارجية.

ثاني الدلالات هي أن السعودية تود أن تحقق التوازن في المنطقة كلاعب إقليمي محوري وقوي في مواجهة بروز أدوار كل من إيران وتركيا، فلقد استطاعت هاتين القوتين أن تستثمر الظروف في المنطقة العربية لصالحها وتبرز كقوى مؤثرة على شؤون المنطقة.

وفي ظل غياب واضح لدور عربي في شؤون المنطقة مع غياب الدور المصري وضياع الدور العراقي أصبحت الرياض مدركة لضرورة بروزها كقوة عربية في ظل ميزان القوى الإقليمي القائم في المنطقة والذي لا يصب في صالح الدول العربية. فبعد استثمار إيران للوضع في العراق.

واستثمار تركيا للحالة الفلسطينية، أدركت الرياض بأن فرصتها هي في عدم السكوت على ما يدور في سوريا وعدم ترك كل من إيران وتركيا الاستثمار في الوضع هناك، لذلك يمكن اعتبار أن الاهتمام السعودي بسوريا جاء من أجل محاولة ملء الفراغ العربي والبروز كلاعب إقليمي مؤثر في المنطقة بحجم تأثير كل من إيران وتركيا ولاسيما في المشاركة في تحديد مستقبل ذلك البلد.

ثالث الدلالات هي أنه على ما يبدو أن المملكة تشير بهذا الموقف إلى أنها قد فاض بها الكيل وما عادت تتحمل الصبر على النظام السوري، الذي مازال يفضل خيار التوجه نحو إيران على خيار التوجه نحو العرب. النظام السوري مقتنع بأن تحالفه مع إيران هو تحالف استراتيجي ويصب في صالحه وبالتالي لا يمكن أن يتنازل عن هذا التحالف لصالح التحالف مع العرب، وعليه فإنه لا يتوان عن إعلان اختلافه السياسي مع السعودية في العديد من القضايا العربية، وإعلان ميله للمواقف الإيرانية، وبالتالي تسهيل النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

هذه الاختلافات ألقت بظلالها على العلاقات السعودية - السورية لاسيما منذ 2005، وحاول النظام السعودي ممثلاً في العاهل السعودي بنفسه تهدئة الأوضاع ومحاولة إقناع النظام السوري بضرورة الابتعاد عن التوجهات الإيرانية ولكن من دون نجاح يذكر، لذلك فإن التحرك السعودي يمكن أن يفهم في سياق أن الرياض قد فضت يدها من استعداد النظام السوري ونيته في العودة للحاضنة العربية.

ورابع الدلالات هي أن المملكة تفضل أن يأتي التغيير في دول المنطقة من الداخل ومن خلال عمل الأنظمة العربية على الإصلاح بالتعاون مع شعوبها، ولا تود على ما يبدو أن يصبح التدخل الخارجي عرفاً يعمل به في المنطقة العربية، حيث ان استمرار القمع للاحتجاجات والمظاهرات الشعبية السلمية سيولد تدخلاً أجنبياً يتمثل في فرض ضغوط سياسية واقتصادية وجنائية وقد تكون عسكرية أيضاً.

ويفتح بالتالي المجال أمام مزيد من الإجراءات الشبيهة ضد أنظمة أخرى في المنطقة. وهذا ما يفسر عدم إغلاق المملكة للباب بالكامل أمام النظام السوري ودعوتها لدمشق إلى ضرورة تطبيق إصلاحات فعلية من شأنها أن تحقق الأمن والاستقرار لسوريا والمنطقة العربية، درءاً للمخاطر والتبعات السلبية التي يمكن أن تنتج عن التدخلات الأجنبية في المنطقة بأسرها.

لقد عودتنا الدبلوماسية السعودية عملها الهادئ والكتوم في السياسة، إلا أن كلمة العاهل السعودي أخرجت الدبلوماسية السعودية من طورها الهادئ إلى العلن، وحددت موقفها من ما يجري في سوريا بصراحة، وهو ما يمكن أن ينظر إليه على أنه قد يكون سعي سعودي للعب دور جديد في المنطقة.