منذ مطلع أغسطس 2011، انضم عشرات آلاف الإسرائيليين لحركة الإضرابات التي بدأت خجولة في أواسط يوليو ضد ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة. وتواصلت حركة الاحتجاج في مدن عدة، تطالب الحكومة بمراقبة أسعار العقارات التي ارتفعت 60% خلال أربعة أعوام.

وانضم بعض المجالس المحلية إلى حركة الاحتجاج مطالبة بإصلاحات فورية، ومنها ما أغلق أبوابه للمشاركة في إضراب ليوم واحد.

وتعاطف الأجراء في الدوائر الرسمية مع الحركة المطلبية، فتوقف أكثر من 150 ألف موظف بلدي عن العمل ليوم واحد في إضراب تحذيري، وأغلقت البلديات أبوابها، ورفض عمال التنظيفات تفريغ حاويات القمامة.

وتضامنت مؤسسات رسمية عدة مع المضربين، وأعلنت دعمها للمطالبين بالعدالة الاجتماعية. ولبى أكثر من عشرين ألف إسرائيلي دعوة الإضراب عبر الفيسبوك، دعما لحركة الاحتجاج الشعبي المتزايدة في إسرائيل.

وبعد حركة الاحتجاج الواسعة هذه في المدن والأرياف الإسرائيلية، أشار بعض المحللين إلى أن شعارات الربيع العربي ومطالب الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، تركت أثرا واضحا على المجتمع الإسرائيلي الذي تحدى حكومة نتانياهو بالنزول إلى الشارع. فالأزمة الاقتصادية في إسرائيل بنيوية، وهي على صلة أكيدة بالأزمات التي تعيشها الدول الغربية الداعمة للاقتصاد الإسرائيلي.

وقد تراجعت بورصة إسرائيل بنسبة 6% فور إعلان التصنيف الجديد للدين الأميركي، وطالت التأثيرات الكثير من الدول التي قد تصل إلى حافة الإفلاس، بعد أن زادت معدلات البطالة إلى جانب ارتفاع نسبة الفقر في عدة دول أوروبية تعاني خطر الانهيار الكبير، كما في حالتي اليونان والبرتغال.

اللافت للنظر أن اثنين وأربعين وزيرا وعضوا في الكنيست الإسرائيلي، قدموا عريضة إلى الحكومة بتاريخ 2 اغسطس 2011 طالبوا فيها بحل أزمة السكن في إسرائيل عن طريق توسيع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، لأنها أقل كلفة مالية للحكومة ولا تتطلب سوى مصادرة الأراضي وتوزيعها على المستوطنين.

وفي ذلك تأكيد أن حكومة إسرائيل مستمرة في سياسة حل أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تلقي الدعم المالي الخارجي من جهة، والتوسع الاستيطاني على حساب تهجير الشعب الفلسطيني واحتلال أراضيه من جهة أخرى.

مرد ذلك إلى أن بعض المحللين يتلافى النظر إلى إسرائيل كدولة طبيعية، يواجه شعبها أزمات اقتصادية واجتماعية. فقد اعتادت على المساعدات المالية الضخمة من الدول الصديقة، وخاصة الغربية منها، وكانت نسبة كبيرة منها تخصص للتوسع الاستيطاني وتمويل حروب متواصلة تخوضها الإدارة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين وعرب الجوار.

لكن المتظاهرين في إسرائيل تجاوزوا تلك النظرة التقليدية لدولتهم، فرفعوا يافطات تندد بسياسة نتانياهو الاقتصادية وتطالب باستقالته الفورية، وتعلن أن شعب إسرائيل يريد عدالة اجتماعية حقيقية. فاندفع أكثر من ربع مليون إسرائيلي للنزول إلى الشارع في 6 اغسطس 2011، مما أربك حكومة نتانياهو، وقد يشكل رادعا إضافيا يمنعها من خوض حرب جديدة للهروب من الأزمة.

لقد بات صقور إسرائيل يواجهون عقبات داخلية وأخرى خارجية، أبرزها سعي الولايات المتحدة للخروج من المستنقعين العراقي والأفغاني.

لذلك سارع نتانياهو إلى اتخاذ إجراءات سريعة لمواجهة ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف المعيشة، في محاولة لوقف حركات الاحتجاج الاجتماعية التي طالت جميع أنحاء إسرائيل. فشكل لجنة وزارية للقيام بتدابير سريعة تخفف من الأزمة الاقتصادية، وتقدم حلولا عملية لحل الأزمة المعيشية والعمل على حل مشكلة الإسكان.

وتتخوف حكومته من استمرار حركات الاحتجاج الشعبي، أو أن تفضي الإصلاحات الجذرية إلى أزمات اقتصادية كالتي شهدتها مؤخرا دول أوروبية.

لذلك حذر وزير مالية إسرائيل من انعكاس أزمة الديون في دول الاتحاد الأوروبي على إسرائيل، بعد أن باتت الإدارة الأميركية عاجزة عن سداد ديونها الهائلة لمراكز قوية في النظام العالمي الجديد، ومنها الصين.

وعلى غير عادته، بدا نتانياهو متعقلا تجاه الأزمة الأخيرة على الحدود مع لبنان.

فعند الإعلان عن تبادل إطلاق نار بين عناصر من الجيش اللبناني وآخرين من الجيش الإسرائيلي على نهر الوزاني، سارع إلى إعلان أن حكومته غير راغبة في التصعيد العسكري، وأبلغ جهات دولية أنه أمر بطيّ ملف الحادث وعدم الرغبة في فتح حرب جديدة.

فهل إن موعد الحرب التي تحضر لها إسرائيل ضد لبنان ودول عربية أخرى يقترب، أم إنها باتت تتخوف من أن يفضي أي اشتباك صغير بين الجيش الإسرائيلي و"حزب الله" في لبنان، أو حركة "حماس" في غزة، إلى حرب إقليمية تمتد إلى دول أخرى؟ وهل إن التحولات العربية التي ما زالت متفجرة، تلجم إسرائيل خوفا من أن تعيد الحرب تصويب المسار من إسقاط أنظمة عربية، إلى حرب عربية ـ إسرائيلية تشارك فيها أطراف عدة، وتطال أكثر من دولة شرق أوسطية؟

لقد حذر خبراء عسكريون إسرائيليون من أن الهجمات الصاروخية ستشعل حرائق هائلة بشكل متزامن في مناطق عدة من إسرائيل، إذ يملك "حزب الله" وحركة حماس، آلاف الصواريخ من أنواع مختلفة، ولديهم صواريخ تحمل رؤوسا متفجرة تشعل حرائق يصعب إطفاؤها بسرعة.

وتتخوف إسرائيل من أن يقوم "حزب الله" وحركة "حماس" بإطلاق متزامن لصواريخ حارقة، تطول مناطق واسعة من أراضيها وتربك القيادة العسكرية والأجهزة الداخلية معا.

أخيرا، تواجه حكومة نتانياهو مأزق الإعلان عن حرب توسعية جديدة، للهروب من أزماتها الاقتصادية والاجتماعية كما جرت العادة.

وهي تبدو عاجزة عن تثبيت سيطرتها على المناطق التي احتلتها مؤخرا، وتلوح بالفيتو الأميركي لمنع قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية عبر قرار يصدر عن الأمم المتحدة، لكنها تحاذر من خوض حرب في وقت يشهد فيه المجتمع الإسرائيلي أزمات اقتصادية واجتماعية حادة.

فقد بات المواطن الإسرائيلي مستاء من نظام سياسي، يقوده العسكريون إلى حروب لا تنتهي. وفي حين تنكرت حكومة نتانياهو للحقوق الأساسية للمواطنين في السكن والطب والتعليم والقضايا المعيشية، تساهلت كثيرا مع أصحاب النفوذ الذين راكموا ثروات كبيرة. فاندفع بعض الفئات للسكن في خيم الشوارع، بعد أن كفروا بالوعود الإصلاحية الخادعة، لأن مليارات كثيرة تصرف سنويا في التحضير لحروب تبدو وشيكة.

ختاما، يواجه النظام الإسرائيلي مرحلة حساسة. فالغرب، بجناحيه الأوروبي والأميركي، يعاني أزمات اقتصادية حادة تجعله غير متحمس لدعم حروب إسرائيل، التي أثبتت عجزها عن تغيير قواعد اللعبة في الشرق الأوسط..

فهل تسقط حكومة نتانياهو تحت وطأة أزمات اقتصادية واجتماعية متفاقمة، بحيث بات حلها يتطلب تغيير وظيفة إسرائيل العسكرية لضمان استقرار هذه المنطقة البالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي؟