هواة مشاهدة المسلسلات التلفزيونية، الذين أفسد عليهم "الربيع العربي" هذا العام متعة متابعة المسلسلات الرمضانية التي اعتادوا متابعتها خلال السنوات الماضية، ربما وجدوا ضالتهم في مسلسلات من نوع آخر، قد تكون أقل متعة من مسلسلات رمضان المعتادة، لكنها أكثر إثارة من أي عمل درامي شاهدوه على مدى أعوام "الخريف العربي"، الذي طوى أوراقه الصفراء واستأذن في الانصراف غير مأسوف عليه.
تنقسم الدراما في المفهوم الإغريقي الذي أخذت اسمها منه، إلى أنواع ثلاثة: "الكوميديا" التي تُعرَّف بأنها الأداء التمثيلي الذي يؤدي إلى الضحك، ويرمز لها بالقناع الأبيض. و"التراجيديا" التي تُعرَّف بأنها الأداء التمثيلي الذي يؤدي إلى الحزن، ويرمز لها بالقناع الأسود. وثمة نوع ثالث يقع بين الكوميديا والتراجيديا، يعتمد على الأساطير التي يتناول شخوصها ببعض السخرية، ويعرف باسم "التراجيكوميدي". وتحت هذا النوع تندرج "الكوميديا السوداء" التي تدور حول مواضيع تعد من "التابوهات" المحرم الخوض فيها، بحيث يتم التعاطي معها بشكل ساخر، دون الإخلال بجدية الموضوع الذي تتناوله.
بين هذه الأنواع الثلاثة يتوزع المشهد الدرامي على الساحة العربية، مع انحسار الدراما التلفزيونية التي تراجعت هذا الموسم الرمضاني، لتفسح المجال للدراما الحقيقية التي تسجل حضورا فاعلا في المشهد العربي، حيث لا داعي لاستخدام الخدع السينمائية أو التلفزيونية لتصوير أحداثها، فطلقات الرصاص التي تُسمَع طلقات حقيقية ليست من ذلك النوع المعد لتصوير الأفلام والمسلسلات، والدماء التي تسيل دماء حقيقية، وليست أصباغا اصطناعية كالتي نشاهدها على ثياب الممثلين في الأفلام والمسلسلات، والضحايا الذين يتساقطون صرعى في المشهد تصعد أرواحهم إلى السماء، ولا يقومون مرة أخرى بعد الانتهاء من التصوير كما يشاهد العاملون في البلاتوهات ومواقع تصوير الأفلام والمسلسلات.
وحدهم الذين يأمرون بإطلاق الرصاص من خلف الكواليس، هم الممثلون الذين يجيدون فن التمثيل، ويلبسون أثواب البراءة أمام عدسات الكاميرات وهم يتنصلون من إعطاء الأوامر بالقتل، وينسبون هذه الأعمال إلى عناصر يسمونهم تارة "البلطجية" وتارة "الشبيحة" وتارة "المندسين"، يظهرون ويختفون كالأشباح، لا يعرف أحد من أين أتوا ولا إلى أين يذهبون.
هذه الفروق بين الدراما التلفزيونية الرمضانية التي اعتاد المشاهدون متابعتها، والدراما الحقيقية التي تجري أحداثها على أرض الواقع، هي التي تكتب التاريخ وتعيد تشكيل جغرافية الأرض، ليس بمفهوم خطوط الطول والعرض والتضاريس المتعارف عليها في علم الجغرافيا، وإنما بمفهوم الخطوط التي تسطرها "متلازمة الغطرسة" في نفوس أولئك الذين أدمنوا السلطة حتى فقدوا التواصل مع الواقع، فاعتقدوا أنهم هم الوطن وأن الوطن هم فقط، وأصبحوا في حالة توحد مع الكرسي، رفعوا بها أنفسهم إلى مصاف الآلهة، وأخرجوها من نطاق البشر.
حالة التوحد مع الكرسي هذه، هي التي تجعل المصابين بها يعتقدون أن رحيلهم عن الكراسي هو نهاية التاريخ، وليس مرحلة من مراحله كما يقول منطق الأشياء، وأن أي بداية يغيبون عنها هي بداية غير منطقية لا يمكن تصورها، ناهيك عن تصديقها، وأن أي مشهد لا يكونون فيه هو علامة من علامات الساعة الكبرى ودنو يوم القيامة، لذلك هم باقون على الكراسي، متمسكون بها، مهما سال من دماء حقيقية أمام عدسات الهواتف المحمولة التي حلت محل كاميرات التلفزيون.
حتى لو جاءت اللقطات مهزوزة، لأن الذين يلتقطونها بهواتفهم يسجلون الحدث تحت ضغط مطاردة أجهزة الأمن لهم، ووسط طلقات الرصاص التي لا تفرق بين طفل وامرأة وشيخ طاعن في السن، خرج من بيته غير مصدق ما يحدث بعد عقود من الخوف خالها لن تنتهي، فاختار أن ينهي حياته مشاركا بدور حيوي في المشهد، بعد أن عاش حياته كلها متفرجا لا حول له ولا قوة.
غابت، إذن، مسلسلات رمضان التي اعتادها محبو الدراما وأدمنوا مشاهدتها، وحل محلها مسلسلات من نوع آخر، طغى على أغلبها مشهد الدماء التي ما زالت تسيل، ثمنا للتحرر من الطغيان وديمومة الكراسي التي يأبى عبدتها التخلي عنها مهما كان الثمن، واحتكر هذا النوع من الأعمال الدرامية شركات الإنتاج العائلية التي اعتادت احتكار كل شيء في هذه الحياة، فاختارت أن يكون إنتاجها من التراجيديا المغرقة في الحزن والمأساوية.
هكذا بدا المشهد الدرامي الرمضاني هذا العام، وهو مشهد ستكون له أبعاده الأكثر تأثيرا من "الحاج متولي" وزوجاته الأربع، ومن "زهرة وأزواجها الخمسة"، ومن كل الإسفاف الذي تابعناه منذ أن تحول رمضان إلى موسم لتكالب المنتجين على ميزانيات قنواتنا التلفزيونية، وتنافسهم على إفساد أذواقنا، وإهدار أوقاتنا، وقتل كل مناطق الإحساس فينا.
من بين الأعمال القليلة ذات القيمة العالية التي قدمتها لنا الدراما التلفزيونية العربية في شهر رمضان قبل ربع قرن تقريبا، مسلسل "عصفور النار" الذي كتبه الراحل أسامة أنور عكاشة وأخرجه محمد فاضل، وجسد فيه باقتدار الفنان الراحل أيضا محمود مرسي شخصية الظالم المحب للمال والسلطة "صقر الحلواني"، الذي يطمع في منصب أخيه "صادق" عمدة قرية "الحلوانية"، ويحل محله بعد أن يموت "صادق" برصاصة طائشة، يعرف الجميع من أطلقها أو كان وراءها، لكن الخوف من الطاغية يكمم أفواههم.
ترى ما هو عدد عصافير النار التي ما زالت تحلق في الأجواء، مثل تلك الحمامة المحترقة التي انطلقت في مسلسل "عصفور النار" من بيت إلى بيت لتشعل النار فى منازل القرية الرابض على صدرها الظلم؟ هذا هو السؤال الأهم الذي يطرحه محبو الدراما بكل أنواعها؛ ذات الأقنعة السوداء والبيضاء منها على حد سواء.