إذا اعتبرت التعليقات والرسائل الإلكترونية الواردة من أصدقائي في أوروبا، مؤشراً على آراء الناس هناك، أستطيع القول إن الإحساس الجماهيري المهيمن بشأن أزمة الديون الأمريكية، هو أنه إذا كان باراك أوباما يجد نفسه الآن في موقع يحتم عليه إما رفع سقف الديون أو مواجهة خطر التخلف عن سدادها، فإن جذور الأزمة تعود إلى جورج بوش.
يلقي الأوروبيون اللوم، جزئياً، على سياسات بوش في التمويل العسكري خلال فترة ما بعد 11 سبتمبر، لكن لا وجود مثلاً "لجيش يوناني منتشر فوق حدود طاقته"، لتفسير الانهيار الاقتصادي في اليونان. وفي حين أنه ليست هناك عائدات اقتصادية تذكر من مهمة إرسال جندي مدجج بأحدث الأسلحة إلى أفغانستان أو العراق لقتل رجل إرهابي، فقد تكون هناك عائدات اقتصادية عظيمة من النتيجة الإجمالية للحرب. لقد كلفت الحرب العالمية الثانية الولايات المتحدة أكثر من 900 مليار دولار عام 1945، ومع ذلك فالارتفاع الحاد في الإنفاق العسكري أدى إلى ازدهار اقتصادي كبير، كما أن خطة مارشال لإعادة بناء أوروبا وسعت نطاق تواجد أمريكا وزادت فرصها التجارية والاقتصادية في المنطقة، وأدى اتساع رقعة تواجد القواعد العسكرية إلى ازدياد التجارة من حولها. وبطريقة مشابهة، فبعد عهد كارتر الذي شهد إهمالاً عسكرياً وركوداً اقتصادياً، شهدت أمريكا في عهد ريغان تضخماً عسكرياً مرتبطاً بالحرب الباردة، وزيادة في النمو الاقتصادي. من يستطيع إنكار أن سقوط جدار برلين كان مفيداً للأعمال والتجارة الأمريكية؟
إن الحروب لا تضر بالاقتصاد، إلا إذا كان الشخص المسؤول عنها لا يعرف كيف يراهن عليها ليحولها إلى فرص سانحة. وكان لدى بوش فهم تاريخي لما قد يعنيه شن حرب في الشرق الأوسط. وكما أوضح في مقابلة العام الماضي، فإن والده ووالد الزعيم الياباني، كانا في يوم من الأيام في صفوف جيشين متحاربين، ومع ذلك انتهى الأمر بابنيهما إلى العمل معاً للحفاظ على السلام بين البلدين. وليس من الصعب تصديق أنه كان بوسع بوش تصور "لعبة طويلة"، لكن من الأصعب تخيل الرئيس أوباما وهو يحظى بجائزة نوبل للسلام، لكونه شخصاً محبا للسلام الدائم والازدهار والاستقرار المحقق عبر الانتصار العسكري.
الصناعة تزدهر في أوقات الحروب. فهناك من يصنع الطائرات التي تحلق بدون طيار، والأسلحة الرشاشة والصواريخ. ولعله ليس من اللائق سياسياً أن يتفوه المرء بذلك، لكن هناك عائدات مالية طويلة الأمد ناشئة عن قتل رجل إرهابي، أكبر بكثير من العائدات المرجوة من دفع أجرة شخص لكي يصلح حفرة على الطريق.
المسؤولون الصينيون قالوا أخيراً إنه لا يمكن لأمريكا الإبقاء على مستوى دفاعاتها الدولية وإنفاقها الأمني، عند معدل 20% من ميزانيتها السنوية، مع أن الصينيين أنفسهم يواصلون رفع إنفاقهم على التسلح. ربما كان يتعين على الولايات المتحدة أيضاً، أن تأخذ بنصيحة رئيس الاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف، بشأن الإنفاق العسكري خلال الحرب الباردة، ربما تعين على أمريكا التقهقر وفسح المجال أمام الصينيين للسيطرة بشكل كامل على السوق العالمية للمنتجات الدفاعية ذات التقنية المتطورة.والأوروبيون يخطّئون بوش أيضاً في رفع القيود المفروضة على وول ستريت، وهذه خرافة أخرى. فتخفيف القيود بدأ في حقيقة الأمر أيام كلينتون وكارتر، وقانون تحديث الخدمات المالية الذي أقر في عهد كلينتون، هو الذي سمح للبنوك التجارية وبنوك الاستثمار التي كانت منفصلة في السابق، بأن تندمج مع بضعها في طقوس من العربدة التنظيمية.
البعض يقول إنه كان لدى بوش ثمانية أعوام، لشطب برامج كارتر- كلينتون. طبعاً، لكن دعونا نتخيل رد الفعل لو حاول بوش، في غياب سياق الانهيار المالي الذي حدث في 2008، نزع امتيازات القروض العقارية والتسهيلات الائتمانية، من أيدي الأقليات لصالح فرض قواعد المسؤولية المالية. لقد حاول بوش بالفعل زيادة الضوابط على القطاع المالي، من خلال سن قانون "ساربينز- أكوسلي"، الذي يقضي بزيادة التدقيق المالي، لكن لا يمكن تحميله المسؤولية في حقيقة أن الناس كانوا يتخمون أنفسهم بكافة مزايا برامج كلينتون- كارتر.
يجادل البعض بأن أوباما ليس سوى ضحية تصادف وجودها في المكان الخاطئ والزمان الخاطئ، عندما فرغت خزائن البلد. لكن لعل من الأسهل على المرء أن يصدق هذا الادعاء، لو رفع كلينتون يديه عن تلك الخزائن، ولو للحظة، وتوقف عن البكاء التماساً لإعادة ملئها.
كاتبة صحفية من كندا