تناقلت وسائل الإعلام العالمية مؤخراً، خبر استخدام الحكومة الأمريكية لبرنامج تطعيم مزيَّف لأغراض لها صلة بمكافحة الإرهاب.

وليس هناك من يجادل في أن استغلال المساعدات الطبية كتمويه لتحقيق مآرب عسكرية، يؤدي بالضرورة إلى تهديد حياة المرضى في أكثر المناطق تضرراً وتأثراً بالحروب في العالم. وسواء كانت هذه القصة حقيقية أم لا، فإن الضرر قد وقع بمجرد أن أصبحت الأنشطة الطبية، مثل حملات التطعيم، قابلة لأن تحمل في طياتها نوايا أخرى غير توفير خدمات الرعاية الصحية الصرفة.

وفي بلدان مثل باكستان، كافحت منظمات الإغاثة الإنسانية للوصول إلى المجتمعات المحلية وكسب ثقتها، بالرغم من ارتياب هذه الأخيرة الشديد في الدوافع التي تختفي وراء كل مساعدة خارجية تصلها. فتوفير الرعاية الصحية للسكان في مناطق متقلبة، وغالباً ما تكون نائية، يتطلب عملاً مضنياً يومياً، على أمل كسب ثقة هؤلاء السكان وإثبات استقلاليتنا وحيادنا التامين. غير أن كل هذه الجهود يمكن أن تتبخر بسرعة شديدة، كلّما أساءت الدول استخدام الأنشطة الطبية والمرافق الصحية خدمة لأنشطتها العسكرية، وكل ذلك على حساب حياة المدنيين وصحتهم.

وبالنسبة لمنظمة أطباء بلا حدود، بصفتها منظمة طبية إنسانية دولية، فإن الأخبار التي انتشرت من آبت آباد، جعلتنا نواجه مرة أخرى تلك النزعة المقلقة، التي تسير نحو استغلال الرعاية الطبية لخدمة العمليات العسكرية.

وليس جديدا على الدول والقوات العسكرية أن تلتحف برداء الأنشطة الطبية لتحقيق مآربها، ولكنها بالتأكيد تُهدّد حياة المرضى وسلامتهم. فقد دأب معظم التدخلات العسكرية في العالم، على إقحام العمل الإنساني في المخططات العسكرية، ما يدفع بالمرافق الطبية إلى أن تكون في الواجهة في أي أعمال عسكرية.

وفي أماكن أخرى من العالم، أدّى مثل هذا الاستغلال للعمل الطبي، إلى فقدان ثقة المرضى في المساعدات الطبية، بحيث يجدون أنفسهم عرضة للهجوم، عِوض أن يحصلوا على الرعاية الطبية. وفي أكتوبر 2009، تجمّع مئات النساء والأطفال أملاً في الحصول على التطعيم في شمال كيفو، فوجدوا أنفسهم مستهدفين بالنيران في سبع قرى متفرقة، خلال هجمات قام بها الجيش الكونغولي ضد القوات الديمقراطية لتحرير رواندا.

وقد بدأت هذه الهجمات عشية حصول فِرق منظمة أطباء بلا حدود الطبية، على ضمانات أمنية من جميع الأطراف المتنازعة، لإجراء حملة التطعيم التي كانت تنظمها في تلك المناطق التي لم تعد مفتوحة في وجه مصالح وزارة الصحة المحلية. فلا عجب إذن، أن استغلال المساعدات الطبية في شكل كمين لتحقيق أغراض عسكرية، سوف يقضي على ثقة المرضى في الخدمات الصحية، وبالتالي التسبب في المزيد من المعاناة لسكان يعيشون أصلاً مأساة العنف والتشريد.

ومؤخراً، عشنا مرة أخرى أوضاعا محزنة لفقدان المرضى ثقتهم في المؤسسات الصحية، حين استخدمت القوات الحكومية في بعض المناطق المرافق الطبية لاعتقال المحتجّين وقمعهم، ما جعل العديد من المصابين خلال الاحتجاجات يتخوفون من طلب العلاج. وعندما تتحوّل المستشفيات إلى أهداف عسكرية، والنظام الصحي إلى وسيلة في أيدي الأجهزة الأمنية، فلن يعود بإمكان المرضى المطالبة بحقهم الطبيعي في العلاج في ظروف سليمة، كما لا يعود بإمكان الطاقم الطبي إنجاز مهامه كاملة، وتوفير الرعاية الصحية للمرضى بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية.

في عام 2010، قامت منظمة أطباء بلا حدود بتطعيم 5,8 ملايين شخص من وباءَيْ الحصبة والتهاب السحايا وحدهما. وللأسف، جاءت الأعمال المزعومة التي قامت بها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في باكستان، لتلقي بظلالها على كل ما بذلناه من جهود طبّية شرعية ومنقذة للحياة. كلما يتم استغلال الأنشطة الطبية كوسيلة حرب، تتم عرقلة قدرتنا في توفير المساعدات، وعندئذ لن يجرؤ مريض واحد على طلب الرعاية الصحية التي يحتاج إليها.