لم يأت الإسلام بشيء إلا فيه فلسفة وفيه مصلحة للبشرية دون تفرقة، وهناك تعاليم وأوامر ونصائح لا يمكن حصرها تتعلق بكافة جوانب حياة الإنسان وبعلاقاته مع الغير.
ومنها الدعوة إلى السلم والسلام بين البشرية. ولم تكن الحرب إلا لغرض إيقاف الاعتداءات والظلم. لذا لم يدعو الدين الإسلامي إلى أي شكل من أشكال العنف بغرض الهيمنة والسيطرة على الشعوب الأخرى. وهذا ما جعل الإسلام ينتشر بين الأمم بسرعة البرق، ما لم يحدث مع أي دين آخر. بل ان العديد من الأمم كانت تحلم بقدوم جيوش الإسلام لتخليصها من ظلم الأمم الأخرى التي تستعبدها.
الإسلام دين يجمع بين الروحانية والعقلانية والمادية. ونقصد بالمادية دعوته إلى المحافظة على كل ما هو مادي ابتداء من جسد الإنسان إلى الشجرة إلى الطبيعة إلى أحجار المعابد والكنائس. وحيث ان جسد الإنسان يشكل ركيزة الحياة وقيمتها فقد خصص له الإسلام جزءا كبيرا من تعاليمه ونصائحه. وربما لاحظنا أن الاهتمام بصحة الإنسان تمثل واحدة من أهم المواضيع التي تناولها القرآن الكريم. وواحدة من أهم التعاليم الصحية تمثلت في الصوم. لذا ليس مستغربا أن ينزل القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شهر الصوم.
فهي دعوة إلى فهم معنى الحياة وقيمها وارتباطها بغيرها. وأن الإنسان مهما بلغ من المجد والقوة والسلطة والغنى والنفوذ والهيمنة تتوقف مجمل حياته على قطرة ماء ونسمة هواء وقطعة خبز. وهي فلسفة في التساوي بين حياة البشر. ولا تظهر هذه الفلسفة جلية للكائن الحي إلا إذا جرب الصوم ليوم واحد وعرف قيمته التي أعطاها لنفسه مقارنة مع كأس ماء.
فما باله لو حرم من الماء على مدى شهر؟ أو حتى أسبوع؟ نهايته بالتأكيد حتمية. إن أول ما يفكر به الصائم عندما يشق نفسه لرؤية الهلال بأن حياة الإنسان تشبه تماما دورة القمر: يبدأ هلالا لا يرى بالعين المجردة ثم بدرا مشعا ثم يبدأ في النزول والنقصان حتى يخفت ويختفي ويصبح ظلاما كظلام القبر.
ثم أول ما يفكر به عندما يبدأ يشعر بالجوع في أول يوم من رمضان هو التفكير في الفقراء والضعفاء والمحتاجين الذين صار عضوا في جمعيتهم لمدة قد تصل إلى نصف يوم، عملية تتكرر على مدى شهر قمري كامل. فلربما وعي بعد شهر بأنه في الحقيقة (المرة) فقير وضعيف ومحتاج لقطعة خبز وأن الحياة لا تستدعي كل هذه المغامرات غير المأمونة العواقب من أجل البقاء سواء من خلال الحروب التي يشنها أو الفساد الذي يمارسه بطريق الخداع والسرقة وخيانة الأمانة وقتل الآخر واحتلال أراضيه... إلخ. فهو في كل هذه الوسائل يعرض نفسه للموت والسجن والقتل والخسارة.
بينما معدته لا تسع في أحسن الظروف لأكثر من لتر من الطعام. أي أن كل ما يملكه من أموال الدنيا ومن خزائنها تعتبر فائضا على حاجته لا معنى لها غير أنها موجودة في أماكنها حتى بعد موته تماما كما كانت موجودة قبل مجيئه إلى الدنيا. فالكرة الأرضية حسب دراسات العلماء لم تنقص ذرة واحدة منذ أن وجدت في الكون قبل 4.5 بلايين سنة.
ثم ان أول ما يفكــر فيــه أثناء الصوم في تلك اللحظة الحرجة التي يشــعر فيها بقمــة العطش، هو مدى تفاهة حياته. فكل مجده يتــوقف على قطرة ماء. وهل أتفه من مجــد يتوقــف بكامله على قطرة ماء؟ في تلك اللحظــة بالذات تتجــلى فلسفة الحــياة وتتجــلى قيمــة الإنسان الحقيقية.
غير أنه سرعان ما يعود إلى سكرته الأولى بعد أن يتناول أول تمرة وأول كأس ما. ومع تكرار التجربة على مدى 30 يوما، نتوقع أن يرجع الإنسان إلى صوابه. غير أن هذا لا يحدث. ويعود أكثر الناس إلى ما كان عليه قبل الصوم. ويكرر نفس التجربة على مدى عمره الطويل. ودون جدوى.
حسب تقديرات العلماء، فإن أيام الحروب في العالم أكثر من أيام السلام. بمعنى أن الإنسان يقضي أكثر عمره في إثارة الفتن والحروب من الاستقرار. وقد أراد الخالق أن يقتطع من يوم الإنســان بضع دقائــق على خمس فترات متباعدة يقوم فيها بالعودة إلى صوابه والتقرب إلى الله من خلال ممارسة عبادة الصلاة.
وهذه الصلوات الخمس هي أشبه بالمنبه الذي يقوم بتذكيره في كل مرة بأنه في النهاية ليس إلا عبدا من الدرجة الأولى يعود أمره إلى الله الخالق. غير أن الأمر الآخر بالنسبة للصلاة هي إبعاد الإنسان عن ارتكاب الجرائم خمس مرات في اليوم. ولو افترضنا أن كل صلاة قد تقتطع ما بين خمس إلى عشر دقائق من يوم الإنسان، فهذا يعني أن هناك ما يقارب من الساعة الكاملة على مدار اليوم التي يلقى فيها السلاح ويبتعد الإنسان فيها عن الفساد في الأرض. ترى كم من الأرواح أنقذت على مدى يوم كامل من خلال التقرب إلى الله؟
الدين فلسفة، وفي كل عبادة من عباداته حكمة. وعبادة الصوم تعتبر من أكثر الفلسفات تعقيدا. فهي إبعاد عن كافة المحرمات والمفاسد والحروب الفتاكة والعودة إلى حقيقة الحياة.
فهل نحن منتهون؟