تناظرتُ مؤخراً، مع جمهوري محافظ أصرّ على أن أفضل طريقة لإنعاش الاقتصاد الأميركي هي تقليص حجم الحكومة. وعندما طلبت منه تفسير المنطق الذي استند إليه، قال ببساطة، إن «الحكومة مصدر جميع مشكلاتنا». وعندما أشرت إلى أن الإنفاق الحكومي هو الذي أخرج الاقتصاد من جميع الانكماشات الاقتصادية الثمانية التي شهدتها البلاد في ما سبق، بما في ذلك الركود الكبير، خالفني الرأي قائلاً «الركود الكبير انتهى بسبب الحرب العالمية الثانية»، وكأن الحكومة لم يكن لها دور في تلك الحرب!

وبعد بضعة أيام من تلك المناظرة، واجهني جمهوري محافظ آخر، ألقى اللوم في معدلات البطالة الأميركية المرتفعة على تعويضات البطالة ذاتها.

وقال: «إذا كانت الحكومة تدفع لك المال كي لا تعمل، فلماذا تعمل»! وعندما قلت له إن تعويضات البطالة لا يمكن أن تكون هي السبب في البطالة، لأنه مقابل كل فرصة عمل شاغرة هناك خمسة أشخاص عاطلون عن العمل يتقدمون لها، سخر من كلامي قائلاً «الحكومة دائماً تزيد الطين بلة». يبدو أن كارهي الحكومة موجودون في كل مكان هذه الأيام.

فالجمهوريون في الكونغرس، بقيادة زعيم الأغلبية إريك كانتور، يكرهون الحكومة لدرجة أنهم مستعدون للتضحية بسمعة الولايات المتحدة وجدارتها ومصداقيتها، مقابل تحقيق غايتهم في تقليص الحكومة. ومن الواضح أن غايتهم الحقيقية ليست السيطرة على عجز الميزانية، فقد رفضوا العرض الذي قدمه الرئيس أوباما، والذي يتضمن خفض 3 تريليونات دولار في الإنفاق على مدار العقد المقبل ـ بما في ذلك تخفيضات كبيرة في برامج التعويضات .

ـ وذلك لأن خطته تتضمن أيضاً زيادات ضريبية بقيمة تريليون دولار. إن الهدف الأساسي الذي يسعى إليه هؤلاء، بحسب تعبير مرشدهم غروفر نوركويست، هو تقليص الحكومة إلى «حجم يسمح لهم بإغراقها في حوض حمام». لكن من أين أتى هذا الطاقم الذي يريد إغراق السفينة؟

ولماذا يحظون، على ما يبدو، بتأييد عدد كبير من الأميركيين؟ وللإجابة على هذين السؤالين، علينا أن ننظر في موضوع ما يسمى «حزب الشاي»، الذي يعتبر هو ذاته نتاجاً لهذا الهيجان. يمكن أن نعزو سبب بروز هذا التيار اليميني إلى المخاوف الاقتصادية والقلق الذي تشعر به الآن قطاعات عريضة من الأميركيين، الذين يريدون إيجاد شماعة يلقون عليها مسؤولية ما يحدث.

فـ«وول ستريت» كيان مجرد يصعب انتقاده بشكل تحليلي بالنسبة لهم، والألاعيب المالية التي دمرت الاقتصاد في الركود الكبير، معقدة لدرجة أنه يكاد يكون من المستحيل فهمها من قبل معظم الأميركيين. لكن في المقابل، فإن مبادرة الحكومة الأميركية لإنقاذ «وول ستريت» من الأزمة، كانت عملاً محدداً استطاع كل الأميركيين تقريباً فهمه بالغريزة، وبدا فعلاً خاطئاً وضالاً بالنسبة لهم.

لم تكن مصادفة أن تتزامن نشأة حزب الشاي مع خطة إنقاذ «وول ستريت» من الأزمة المالية. وقد شرحت لي امرأة أعرفها، اعتنقت أفكار حزب الشاي، أنها تكره الحكومة: «لأنها (الحكومة) تقع دائماً في قبضة الأقوياء المتنفذين، الذين يأخذون ضرائبنا ويأكلون غداءنا».

وفي الوقت نفسه، فإن معظم ما تقوم به الحكومة لمساعدة الناس العاديين، بات الآن متأصلاً في عمق نسيج الحياة اليومية، لدرجة أنه لم يعد واضحاً للعيان أن الحكومة تقف وراءه. ولعل خير دليل على هذا، هم الناخبون الساخطون الذين تجمعوا أمام اجتماعات الكونغرس البلدية، للاحتجاج على قانون أوباما للرعاية الصحية، وراحوا يهتفون «لا تستولِ على برنامج الرعاية الصحية الخاص بي»!

وفي ورقة بحث حديثة أعدتها عالمة السياسة سوزان ميتلر، من معهد كورنل، تم إجراء إحصاء لعدد الأميركيين الذي يتلقون فعلياً التعويضات الحكومية، لكن يظنون خطأً أنهم لا يتلقون أية امتيازات أو تعويضات من هذا النوع. ووجدت ميتلر أن أكثر من 44% من المستفيدين من تعويضات الضمان الاجتماعي، يقولون «إنهم لم يستخدموا البرنامج الاجتماعي الحكومي».

وأكثر من نصف العائلات المستفيدة من القروض الدراسية المدعومة من الحكومة قالت الشيء نفسه، و34% من المستفيدين من تأمين البطالة ونحو 30% من المستفيدين من تعويضات الإعاقة المشمولة في الضمان الاجتماعي، قالوا كذلك.

وإذا أضفنا إلى هذا أيضاً تأثير الدسائس التحريضية التي تبثها محطة «فوكس نيوز» على مدار الساعة، لاستثارة الكراهية ضد الحكومة، وراش ليبمو ومقلديه من مقدمي برامج الكراهية على أمواج الأثير، وأكثر من 30 سنة من تأكيدات رونالد ريغان المتكررة على أن المشكلة تكمن في الحكومة الأميركية، أضف إلى ذلك أيضاً مئات ملايين الدولارات التي يدفعها أمثال عملاقي النفط تشارلز وديفيد كوتش، في سبيل إقناع الجمهور بأن الحكومة شريرة، سنجد عندئذٍ أنه أصبحت لدينا كل مكونات نشوء جناح يميني متطرف، عازم على تدمير الحكومة التي نعرفها اليوم.

والمكون الحساس الأخير في هذه المعادلة، هو الفشل الذريع للحزب الديمقراطي، بدءاً من الرئيس حتى أسفل الهرم، في دعم مواقفهم بالحجج والبراهين المقنعة بأن الحكومة مهمة. وبالنظر إلى ما شهدته السنوات القليلة الماضية من حوادث انهيار المناجم، وانفجارات حفارات النفط، والانصهارات النووية، والأعمال المحظورة في «وول ستريت»، والارتفاع المخيف في تكاليف الرعاية الصحية، والارتفاع الفلكي في أجور المدراء التنفيذيين.

وإجراءات التسريح الجماعي للموظفين، كنا نظن أن هذا كله سيقدم فرصة استثنائية لإيضاح الأسباب التي تجعل الصحة الجمعية للبلد متوقفة على وجود حكومة قوية وفعالة، تمثل مصالح المواطنين العاديين. لكن الحزب الديمقراطي فشل حتى في شرح هذه البراهين للناس، ربما لأنه، حتى في ظل حكم الديمقراطيين، لم يتم الاهتمام بشكل كاف بمصالح الأميركيين العاديين.