أخطر القضايا التي تواجه الدولة، أية دولة، هي قضية أمنها الوطني (القومي)، قضية وجودها، حيث توضع الاستراتيجيات وترسم السياسات من أجل ضمان ذلك. قضية الأمن الوطني تتجاوز كثيراً ما هو متعارف عليه من تأمين سلامة الأرض والمياه والسماء، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ توفير المناعة ضد التفكك والتشرذم الداخلي، وتوفير المناعة أمام المخاطر التي تهدد ثرواتها الحيوية؛ مصادر الغذاء ومصادر المياه.
جميع الدول العربية يمكن اعتبارها مناطق صحراوية أو قابلة للتحول إلى ذلك، لأن معدلات سقوط الأمطار فيها منخفضة جداً من جهة، ولأن مصادر مياهها، في حالة وجود هذه المصادر، تقع خارج حدودها الجغرافية، من جهة أخرى. والحقيقة أن هذا الموضوع الخطير، لم يحظ على مدى العقود المنصرمة من السنين بما يستحق من دراسة، عربياً ومحلياً، تحسباً لما تأتي به الأيام.
صدر عن الأمم المتحدة في الثاني والعشرين من مارس المنصرم، يوم المياه العالمي، تقرير على درجة كبيرة من الأهمية، تطرق إلى الوضع المأساوي الناجم عن شح المياه وتلوثها في العراق، وعن معاناة العراقيين من جراء ذلك.
ورغم ما في ذلك من خطورة تتطلب المعالجة الناجعة والفورية، إلا أن ذلك ليس موضوع هذه المقالة. فقد أشار التقرير إلى ما هو أخطر من ذلك بكثير: «احتمال نضوب نهري دجلة والفرات نضوباً تاماً بحلول عام 2040، بسبب التغيرات المناخية أو انخفاض معدلات المياه من المصدر، وزيادة الاستخدام المنزلي والصناعي».
سنتجاهل ما في هذا التقرير من ضعف، حين جعل نضوب النهرين أمراً يلحق الضرر بالعراق فحسب، متجاهلاً تأثيرات ذلك على المنظومة البيئية في المنطقة برمتها، وسنركز على جوهر الموضوع؛ تصحر العراق. والحقيقة أن هذا التحذير يأتي في وقت نستطيع فيه قول ما لم يقله تقرير المنظمة الدولية، التي عادة ما تراعي البروتوكولات الدولية، وتولي الكثير من الأهمية لديباجة تقاريرها التي تأتي في حالات كثيرة ضبابية. نستطيع اختزال الأسباب الحقيقية للكارثة المتوقعة، في سبب واحد فقط، وهو انخفاض معدلات المياه من المصدر.
العراق يشكو من الجفاف، فمعدلات هطول الأمطار واطئة لا تزيد على 200 ملليمتر سنوياً في معظم مناطقه، في حين تزيد هذه المعدلات عن 600 ملليمتر، وقد تصل إلى ضعف ذلك في بعض الأحيان في إقليم كردستان. ولذلك فإن استراتيجيته المائية تعتمد بالدرجة الرئيسية على مياه الأنهار، وهي أنهار دولية، وذلك لأنها «تقع في أقاليم أكثر من دولة».
من الناحية الجغرافية، العراق هو بلد المصب لجميع الأنهار الصغيرة والكبيرة التي تدخل أراضيه، ثروته المائية هي نهرا دجلة والفرات. وفي الوقت الذي تنعدم فيه الروافد لنهر الفرات الذي تأتي كل مياهه من تركيا، تقوم روافد، يبلغ عددها ثلاثين رافداً بعضها دائم والآخر موسمي ومعظمها من إيران، بتزويد نهر دجلة بما يقرب من نصف مياهه، ويأتي النصف الآخر من تركيا.
أسباب شح المياه في العراق، تتلخص في حجب دول الجوار المياه عنه. فقد قامت تركيا ببناء 14 سداً على نهر الفرات وروافده داخل أراضيها، وبناء 8 سدود على نهر دجلة وروافده داخل أراضيها، وقامت سوريا ببناء 5 سدود على نهر الفرات، وهي في طور الشروع في بناء سد على نهر دجلة، الذي يمر لمسافة قصيرة في أراضيها قرب حدودها مع تركيا والعراق، تتجاوز كلفته، وفقاً لما ذكرت وكالة الأنباء السورية سانا، 100 مليار ليرة سورية بتمويل خارجي.
حيث يهدف هذا المشروع إلى ضخ واستثمار 1250 مليون متر مكعب من مياه نهر دجلة، لخدمة أهداف التنمية في الحسكة، وإرواء 200 ألف هكتار من أراضي المحافظة، وتأمين مياه الشرب للأهالي بواقع 125 مليون متر مكعب سنوياً. وقامت إيران من جانبها بتحويل مسارات معظم روافد دجلة إلى داخل أراضيها.
وشيدت عدة سدود عليها. وتصحرت نتيجة ذلك مساحات واسعة جداً من أفضل الأراضي الزراعية في وسط العراق وجنوبه، مما دفع الآلاف من سكان الأرياف للهجرة إلى المدن في السنوات الأخيرة بحثاً عن حياة أفضل، مما شكل ضغطاً على المناطق الحضرية التي هي الأخرى لا تجد ما يكفي من الخدمات في شتى المجالات.
مشكلة المياه تكتسب أهمية خاصة بالنسبة للعراق، وذلك لأن مؤسساته عبر تاريخه الطويل لم تفكر بهكذا مشكلة، وبالتالي لم تضع سيناريوهات لمواجهتها على المستوى السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والفني، رغم أن مؤشرات الشح قد بدأت منذ أوائل ثمانينات القرن المنصرم، حين بدأت تركيا في تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول. العراق ليست لديه بدائل سوى اللجوء إلى المنظمات الدولية لإنصافه، فجيرانه يتبنون نظرية السيادة المطلقة على المياه التي تمر في أراضيهم، على خلاف ما يتبناه ويتمسك به، وهو نظرية الوحدة الإقليمية المطلقة: «النهر من منبعه حتى مصبه يشكل وحدة إقليمية، بغض النظر عن الحدود الجغرافية والسياسية».
أما اللجوء لتحلية مياه البحر، كما تفعل دول الخليج، فهو خيار تواجهه صعوبات جمة، وكلفة مالية كبيرة قد لا يستطيع العراق تحملها في عصر خريف النفط الذي هو لا محالة آت، وذلك لضيق المساحة المائية المتاحة له على الخليج العربي، مقارنة بالمساحات المتاحة على البحار لمعظم الدول العربية.
ولأن هذه المساحة تقع في أقصى جنوبه، مما يضفي تكاليف إضافية لضخ المياه المحلاة شمالاً، إلى مناطق مرتفعة مسافات تقرب من ألف كيلومتر (ارتفاع العاصمة بغداد عن مستوى سطح البحر يبلغ 32 مترا). كما أن هناك كلفة أخرى تدخل في عملية التحلية.
وهي أن نسبة الأملاح في أعالي الخليج تزيد على الأربعين جزءاً في الألف، وهي نسبة أعلى من معدل النسبة المعروفة في البحار، والتي تبلغ أربعة وثلاثين جزءاً في الألف، حيث يترتب على ذلك ارتفاع في الضغط الأسموزي، ويتطلب توظيفاً أكبر للطاقة الكهربائية المستخدمة في عملية التناضح العكسي، الأكثر شيوعاً في عمليات تحلية المياه.