بعد بضعة أسابيع على تشكيل الحكومة وحيازتها ثقة المجلس النيابي ومباشرة ممارسة السلطة التنفيذية كيف يمكن تقويم الأيام الأولى من دخولها «جنة الحكم»؟
ثمة أمور أنجزتها الحكومة وثمة أمور ما زالت برسم الانتظار. الأمر الرئيسي الذي قامت به الحكومة هو مباشرتها التعيينات في المراكز الرئيسية الشاغرة واخصها تمديد ولاية حاكمية مصرف لبنان رياض سلامة وتعيين رئيس أركان جديد للجيش اللبناني وتعيين مدير عام لرئاسة الجمهورية وتعيين مدير عام جديد للأمن العام.
هذه التعيينات وفي طليعتها التمديد لحاكم مصرف لبنان لقيت ارتياحا شعبيا واسعا بسبب اختيار كفاءات لا شك بنزاهتها وبعدها عن التحزب ووقوفها على مسافة متوازنة من الفرقاء السياسيين. فحاكم مصرف لبنان رياض سلامة يشغل هذا المنصب بنجاح واقتدار منذ 15 عاما ويحظى بثقة الدوائر المالية والاقتصادية في لبنان ودول الخارج وخاصة الولايات المتحدة وأوروبا بسبب نجاحه في ضبط المالية العامة والمحافظة على استقرار النقد الوطني مما يمنح المواطن العادي ثقة باقتصاده وليرته التي كانت تتعرض لسنوات إلى أشرس أنواع المضاربة.
إلى ذلك فان سلامة كان اختياراً موفقاً للرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي عهد إليه إدارة محفظته المالية الخاصة ومجمل ودائعه في البنوك الأجنبية فادى مهمته بكفاءة استحق عليها تنويهات عديدة من المصارف المركزية في العالم وقد جاء تعيينه مجدداً كرسالة إلى عدم رغبة الحكومة الميقاتية بممارسة الانتقام بحق رموز الحقبة الحريرية، والى عزمها على توجيه رسالة تطمين إلى المراكز المالية في العالم، وهي المراكز التي تراقب عن كثب سلوك الحكومة على المستوى المالي. أما التعينات الأخرى (رئاسة أركان الجيش، المديرية العامة للأمن العام والمديرية العامة لرئاسة الجمهورية) فأثارت بدورها ارتياحا بسبب الوفاق السياسي والمذهبي على الأسماء التي جرى اختيارها، وهي جميعها من ضمن ملاك الدولة وذات سجل وظيفي مشرف.
الأمر الثاني الذي نجحت الحكومة في تحقيقه هو توجيه رسالة تطمين ودعم لقوات الطوارئ الدولية في الجنوب من خلال الزيارة الناجحة والأولى من نوعها التي قام بها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي إلى الجنوب اللبناني حيث التقى قادة الجيش اللبناني المنتشر في الجنوب وقادة قوات الطوارئ التي جرى التمديد لها في مجلس الأمن دون اعتراض الدول الدائمة العضوية في المجلس.
الأمر الثالث الذي بادرت إليه الحكومة بتوافق سياسي عام هو الشروع بترسيم الحقوق البحرية للبنان بما تحتويه من آبار نفط وغاز تعمل إسرائيل على ضمها عدوانا إلى الحقول البحرية الإسرائيلية، ويشمل عمل الحكومة التفاوض مع الأمم المتحدة من أجل طلب مساعدتها في رسم الحدود البحرية المتنازع عليها مع إسرائيل بسبب غياب التواصل اللبناني مع العدو.
الأمر الرابع الذي يسجل في اطار ايجابيات الحكومة هو مبادرتها إلى فتح دورة استثنائية لمجلس النواب خلال الصيف من أجل تصريف الملفات والمشاريع المتراكمة والمحالة إلى المجلس في الأشهر الأخيرة، بعد استقالة الحكومة الحريرية.
أما ما ينتظر الحكومة والدولة عموماً فهو كثير بدوره وبعضه شائك وقد يثير عاصفة من السجال السياسي بين الحكومة والمعارضة.
الملف الأول الذي يتوقع ان يثير سجالا ساخنا يتصل بعزم الحكومة على إعادة فتح ملف «شهود الزور» الذي كان الصراع حوله واحداً من أسباب سقوط الحكومة الحريرية، فمعلوم أن المعارضة السابقة التي باتت حاكمة كانت قد اتخذت قرارا بعدم المشاركة في أي جلسة من جلسات الحكومة إن لم يكن ملف شهود الزور «في طليعة البنود المدرجة على جدول أعمال الجلسة لاعتقاد تيار 8 اذار الذي بات حاكما أن عددا من قيادي 14 آذار من السياسيين والعسكريين والأمنيين ساهموا في تقويم شهادات زور إلى المحاكمة الدولية، مبنى عليها القرار الاتهامي الذي جاء متهما عناصر قيادية في «حزب الله» باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أما الملف الثاني الذي يهدد بدوره المناخ السياسي في البلاد فعنوانه توقع صدور دفعه ثانية من القرار الظني في المحاكمة الدولية يتضمن أسماء مسؤولين سوريين كبار ومسؤولين آخرين في «حزب الله» فكيف ستتعاطى الحكومة مع هذه الدفعة الثانية التي قد تعقبها ثالثة ورابعة؟ يبقى ان الموضوع الذي سيكون ساخنا هو الآخر يتعلق بدعوة رئيس الجمهورية إلى استئناف جلسات طاولة الحوار الوطني التي توقفت بسبب الخلاف على برنامجها وعلى الموقف من سلاح «حزب الله» أو ما دعي بـ الإستراتيجية الدفاعية للبنان.
ومعلوم أيضا أن المعارضة، أي قوى 14 آذار، أجمعت على رفض الدعوة إلى الحوار إن لم يحدد برنامج واضح للحوار مع روزنامة زمنية فضلاً عن تناول الحوار موضوعا واحداً محدداً هو مصير سلاح «حزب الله».
لقد اجتازت الحكومة امتحان الشهر الاول بنجاح لكن الآتي في علم الغيب في بلد تكثر فيها المفاجآت من كل لون وشكل وصوب.