شكلت المؤسسات الطائفية ركيزة أساسية صلبة من ركائز المجتمع الأهلي التي اهتمت بشؤون اللبنانيين، الصحية منها، والسكنية، والتعليمية، والدينية، وذلك قبل قام الدولة العصرية عام 1920. علما أن الدستور اللبناني لعام 1926 لم يكن طائفيا، ولم يتبن الفكر الطائفي في أي من بنوده، ولم يعمل على ترسيخ الطائفية في المجالين السياسي والإداري بموجب نصوص دستورية. واعتبر واضعوه، ومن بعدهم قادة الاستقلال، أن الطائفية وصمة عار على جبين لبنان واللبنانيين، وان التخلص منها سيكون ساعة مباركة في تاريخهم.
لكن بناء الدولة في عهد الاستقلال اتخذ مسارا معكوسا بعد أن اتجه قادة الاستقلال إلى تعزيز الطائفية، على مختلف الصعد، وصولا إلى ترسيخها في النفوس وفي النصوص الدستورية والتشريعات البرلمانية، والممارسات الحكومية والإدارية. فبقي الحديث عن دولة عصرية تضع في رأس أهدافها تجاوز الانتماء الطائفي إلى الانتماء الوطني مجرد شعارات لم تنفذ على أرض الواقع بل اعتمد نقيضها الطائفي ثم المذهبي في الإدارة والسياسة.
نخلص إلى القول أن قيام الدولة الوطنية المستقلة في لبنان عام 1943 لم يضعف عمل المؤسسات الطائفية بل ساعد على تنميتها على حساب المؤسسات الوطنية غير الطائفية أو المذهبية. نتيجة ذلك تعمقت النزعة الطائفية لدى اللبنانيين وتحولت مؤخرا إلى مذهبية أضعفت الانتماء الوطني. وأدرك المتنورون اللبنانيون مخاطر هذا النكوص المريع في بناء الدولة العصرية. فليست هناك مواطنة جامعة في دولة لا تشجع الانتماء الوطني على الانتماء الطائفي أو المذهبي أو المناطقي.
وحدها المؤسسة العسكرية بقيت تلعب دورا ملحوظا في تجاوز الانتماء الطائفي إلى الانتماء الوطني. وبات الجيش اللبناني سندا وطنيا غير طائفي يحمي مؤسسات الدولة كلها، إلى جانب الدستور الذي ضمن حرية المواطن بصفته عماد الدولة المستقلة. فحرية المواطن شرط للارتقاء بالانتماء الطائفي إلى الانتماء الوطني في إطار مؤسسات وطنية جامعة.
تجدر الإشارة إلى أن المنظمات اللبنانية غير الطائفية تنتشر على نطاق واسع خارج مؤسسات الدولة اللبنانية. وهي تنشر فكرا وطنيا يشجع على المواطنة واحترام حقوق الإنسان، الشخصية منها والعامة. وهي تضم جميع مؤسسات المجتمع المدني ذات التوجه الوطني الشمولي وغير الطائفي أو المذهبي.
وأبرزها المنظمات المهنية كنقابات الأطباء، والمحامين، والمهندسين، والصيادلة، والمنظمات الثقافية كاتحاد الكتاب، والنوادي الثقافية، ونقابة الصحافة، ونقابة المحررين، ونقابة الفنانين، والمنظمات العمالية، كنقابات العمال، ونقابات الفلاحين، ونقابات الحرفيين، وكثير غيرها.
وتستقطب النقابات غير الطائفية غالبية الفئات اللبنانية الذين غالبا ما تجاوزوا منظماتهم الطائفية وتضامنوا بصفتهم مواطنين أحرارا ومتساوين في الحقوق والواجبات في دولة عصرية تعتمد حكم القانون والمؤسسات.
فلبنان زاخر أيضا بالمنظمات غير الطائفية ذات التوجه العربي، وهي منظمات شمولية غير طائفية. وتقيم نقابات المهن الحرة في لبنان، واتحادات العمال، والكتاب، والفنانين، والصحافيين وغيرها علاقات وثيقة مع المنظمات العربية والدولية المشابهة لها في نظامها الداخلي وفي الأهداف المشتركة.
وهي تسعى إلى تعزيز التضامن العربي المشترك، وتحقيق أهداف عربية شمولية مشتركة، وتطلعات عالمية لتعزيز موقع لبنان وصورته الإيجابية لدى المنظمات الدولية. لكن زعماء الطوائف نجحوا في إفراغ الدستور اللبناني من مضمونه الوطني غير الطائفي بموجب تعديلات العام 1992. فباتت السياسة والإدارة أسيرة الانتماءات الطائفية التي تمنع قيام إدارة وطنية عصرية تعبر عن رغبات الشعب اللبناني على هدي القاعدة المعروفة عالميا: «الإدارة مرآة الشعوب».
فما زالت التعيينات الإدارية في لبنان تجري على أساس توزيع المغانم بين زعماء الطوائف، وتمنع تجدد الإدارة اللبنانية على أسس وطنية سليمة. لذا عادت الإدارة اللبنانية بعد كل نزاع داخلي إلى مرحلة ما قبل الدولة. وخضعت في زمن الحرب كما في زمن السلم إلى زعماء الطوائف أنفسهم. وهيمنت ذهنية الميليشيات على مؤسسات الدولة فأعاقت عملها على أسس وطنية سليمة. وبات من الصعب على اللبناني أن يكتسب موقعا إداريا يناسب كفاءته المهنية ومناقبيته الأخلاقية في ظل منظمات ومؤسسات طائفية وغير ديمقراطية.
ولم يعد بمقدور عدد كبير من الشباب اللبناني البقاء في وطن تحكمه منظمات طائفية ومذهبية. وبات من الصعب جدا قيام إدارة وطنية جامعة في ظل قيادات طائفية ذات نزعة ميليشياوية تمنع المساواة بين اللبنانيين في الحقوق والواجبات. وحين سدت أبواب العمل أمام الشباب اللبناني، اختار قسم كبير منهم طريق الهجرة إلى الخارج دون رغبة بالعودة إلى وطن لا يؤمن بقاعدة وضع «الرجل المناسب في المكان المناسب» وفق الأنظمة المتطورة.
أخيرا، في مواجهة الحلول المقترحة لملء المراكز الأساسية في الإدارة اللبنانية التي تشكو الفراغ المريع منذ سنوات طويلة، ليس ما يشير إلى إخراجها من دائرة التوزيع الطائفي.
وهنا تبرز تساؤلات منهجية حول قدرة النظام الطائفي اللبناني على تجديد إدارته في المرحلة الراهنة حيث بلغ التعصب الطائفي والمذهبي مرحلة متقدمة تهدد وحدة لبنان واستقلاله وسيادته.
ويشهد لبنان صراعا عنيفا على الزعامة داخل كل طائفة، وهو من أعقد النزاعات الداخلية. فالطوائف اللبنانية لم تكن يوما متضامنة أو موحدة بالكامل. كما أن زعماء الطوائف لا يدعمون أصحاب الكفاءة في طوائفهم بل المرتهنين إليهم ضمن نظام الزبانية المعمول به داخل الإدارة اللبنانية. والخسائر البشرية والاقتصادية الناجمة عن تلك السياسية كبيرة جدا على المستويين الشعبي والوطني.
في هذا المجال يبرز تساؤل مشروع حول دور الإدارة في تعزيز الفكر الطائفي والمذهبي في لبنان على حساب الفكر الوطني. وتعتبر التعيينات الإدارية مؤشرا بارزا على بناء الإدارة اللبنانية على أسس مذهبية ضيقة تتنافى مع الوطنية الجامعة. فتعجز عن حماية مصالح اللبنانيين، وضمان الوحدة الوطنية، وحل مشكلات الانقسام الاجتماعي والتوازن غير المتكافئ في تنمية المناطق وجماهير الطوائف، ومعالجة الأزمات الاقتصادية بروح وطنية تحفظ العيش المشترك والسلم الأهلي.
ختاما، يمارس زعماء الطوائف دورا سلبيا جدا في التعيينات الإدارية التي تشكل اعتداء صارخا على أصحاب الكفاءة من اللبنانيين. وهم يتحكمون بمصير آلاف اللبنانيين الذين تغلق في وجوهم المؤسسات الرسمية التي بنيت على أسس طائفية غير سليمة. وهي تلحق أذى كبيرا بالوحدة الوطنية، وتعمق الانقسام الاجتماعي بين الطوائف، وتهجر أجيالا متعاقبة من أصحاب الكفاءة العالية في لبنان. وهي إدارة رسمية فاسدة يتولى حمايتها زعماء الطوائف والميليشيات التي تتحكم بإدارة لبنانية عجزت عن بناء مؤسسات وطنية جامعة فانحدرت إلى مستنقع التعيينات الطائفية والمذهبية الضيقة التي تهدد مصير لبنان واللبنانيين.