تقف الأوضاع العراقية العامة على فوهة بركان خامد. في العراق تكاد تنعدم مقومات الحياة الحضرية والمدنية الحديثة. الأمن والأمان كما المياه والكهرباء والاقتصاد والخدمات جميعاً تعاني حالة من شبه انهيار.

وحدة الشعب والتراب العراقيين ممزقة ومعرضة للتهديدين الداخلي والخارجي. يعاني الشعب العراقي من التفرقة والتمزيق والتفتيت على أيدي الاحتلال ومجموعة من قادة الأحزاب الطائفية والفئوية والعرقية والسياسية. الفساد ينخر ما تبقّى من عضد وعظم الدولة. هذه وغيرها مما يجعل من مقومات الثورة والتمرد متوفرة بشكل مُلحّ ومكثف، وعلى مدار الساعة.

لا يزال الشعب العراقي بعيداً عن القيام بثورة عارمة تطيح بالحكومات المتعاقبة على العراق وتطرد الاحتلال، أو العكس. الأسباب في ذلك كثيرة وتتراوح بين السلبية والإيجابية والعمق والسطحية. الشعب العراقي بالدرجة الأولى يخضع لتأثير قيادات ذات طابع فئوي ضيّق.

هنالك فئات لا تقبل التحرك أو الثورة إلا بمباركة، أو إشارة على الأقل، من مرجعية لها ذات ثقة ومصداقية مذهبية في وجدانها. فئة عراقية أخرى تأمل بالانفصال عن الوطن الأم وتكوين كيان عرقي مستقل. ذلك بالرغم من الاستحالة العملية لتكوين هكذا الكيان، محلياً وطنياً وإقليمياً وحتى دولياً.

لم تزل المرجعية الدينية تشكل الهاجس الأكبر لأي تحرك فردي أو جماعي محدود، عدا عن جماعي حاشد. لكن تتفق الفئات العراقية المختلفة في التوجهات على الأهداف المعلنة بطرد الاحتلال ومحاربة فساد الحكومات المتعاقبة. كلمة السر الموحدة التي تلتف حولها كل الفئات لم تزل غائبة أو مغيّبة. العراقي العادي ينتظر فتوى دينية واحدة من مجموعة من المراجع المنقسمة على أنفسها.

عَبِثَ الاحتلال وأتباعه بكل شيء يخص العراق؛ الوحدة الوطنية، السيادة الوطنية والإقليمية، الاقتصاد، والأمن والأمان، الأمان الإداري. لكن رأياً واحداً صريحاً مدوياً للوقوف ضد الاحتلال وطرده لم يزل يقف أمام عتبة التشكّل.

على القوى المناصرة للتغيير أن تتقدم ببرنامج واضح بشأن دواعي وتداعيات التحرك الذي تقوم به، وتحرّض الآخرين على الاقتداء بهم. لم تزل القوى الثائرة تفتقر إلى خارطة طريق شاملة واضحة مقبولة من قِبل الجميع للسير عليها. جل دواعي الثورة والتحرك ضد الاحتلال وأعوانه موجودة وبشكل صارخ؛ لكن ما يلي هذه الخطوة يجعل القوى الشعبية العراقية تنقسم على أنفسها.

كل فئة تريد قيادة العراق بعد انتهاء الاحتلال على طريقتها الخاصة. هنالك طيف عريض من الأفكار والأيديولوجيات الفرعية مقبولة لدى فئة دون الأخرى. استمرار وجود هوّة عميقة بين شرائح وفئات الشعب العراقي مدعاة لاستمرار بقاء الاحتلال لأجل غير مسمى.

بعد أكثر من ثماني سنوات من الفوضى الدموية العراق مقسّم عملياً، إثنياً وعرقياً وسياسياً وجغرافياً. الزعم بأن العراق موحّد بفيدرالية المحافظات يثير علامات استفهام وهزلاً. جيو- سياسياً استراتيجياً الزعم بالعراق الواحد الموحد هو في حكم الخيال والتبجح باللا-واقعية. العراق ممزق متشظٍّ مشتّت ضعيف منهار، من مجمل النواحي التي يتمتع بها كيان سياسي عصري واحد. ذلك ما يعيق إلى حين قيام ثورة حقيقية شاملة فاعلة أسوة بثورة العشرين (1920)؛ حينها وحّدت قيادات المجتمع ذات المآرب المذهبية المختلفة أصواتها ضد الاحتلال البريطاني.

على الرغم من الواقع السلبي لحدوث ثورة عراقية شاملة إلا أن ثقل ظل الاحتلال وفساد الإدارات الناجمة عنه تجعل من الثورة أمراً لا مناص منه. سيأتي ذلك اليوم الذي يجد فيه كافة العراقيين أنفسهم أمام أصحّ الخيارات، ألا وهو النزول إلى الشارع وأخذ زمام المبادرة بأيديهم. سبقهم في ذلك الفرنسيون والروس والصينيون وغيرهم.

عدد من الشعوب العربية ثارت، منها ما لا يزال في طور الثورة والتحرك، ومنها على وشك البدء بثورة. بات التغيير مركباً يمخر المنطقة يجب على من يستطيع الإبحار على متنه.