كان الحديث عن هموم العالم العربي والتحديات التي تواجهه وأسباب تراجعه في الوقت الذي تقدم فيه غيره من شتى الأمم شرقا وغربا، حتى من عصفت بهم الأنواء ودمرت مقدراتهم الحروب في أبشع صورها، وصارت بلادهم أثرا بعد عين، فإذا بهم يبهرون العالم بعزيمة لا تلين وبدأب لا يعرف الملل أو الكلل لبناء بلادهم وأوطانهم.
وليضربوا المثل في قدرة الإنسان. عندما تقوى الإرادة وتصدق النوايا، ويتحول حب الوطن من شعارات نرددها وأغان نطرب لسماعها إلى واقع نعيشه عملاً لا قولًا، وسياج يأطر أفعالنا، ومرجعية نستند إليها في توجهاتنا، ونداء واجب، وصرخة حق تنبعث من داخلنا، ورغبة عارمة في أن نرى بلادنا في خير حال تغذيها قوة دافعة لا يهدأ سعارها، تلك هي أصل الحكاية من البداية إلى النهاية.
حكاية الضمير النابض لأفراد الأمة، ذاك السر المكنون التي فطر الله الناس عليه منذ أن ترى أعينهم نور ذلك الكون، ويكبر داخلهم مع كل خطوة يخطونها بصرف النظر عن معتقداتهم أو ملتهم أو مذاهبهم.
إنه الضمير الذي يجعل الإنسان يهرب من محادثة نفسه أو النظر إليها في المرآة حين يكتسب ما لا حق له فيه أو يقترف من السلوك ما لا يتوافق مع الفطرة البشرية السليمة، وهو الباعث على السعادة والرضا حين يتصالح الإنسان مع نفسه ويعود إلى أصل ذاته، حينها يكون مسلكه معبرا عن توافق مع طاقة النور الداخلية التي ميز الله بها الإنسان عن غيره من المخلوقات، والتي تجعله يتحمل ما تنوء بحمله الجبال مادام هانئ النفس مستريحا ومطمئن البال.
وفي يقيني أن باعث الضمير هو أولى اللبنات وأعظم الأسس لتقدم الأمم وسر بقائها. ولم لا، فما حضارة الأمم ورفعتها إلا محصلة سلوكيات أفرادها. فعندما نتحدث عن المعجزة اليابانية نحن لا نتحدث عن بناء أسمنتي أو كيان خرساني، ولكن نتحدث عن الإنسان الياباني، مخبره ومظهره وأداءه وسلوكه في دنيا الناس، لنعرف كيف استطاعت اليابان أن تنهض من موات لتصبح عملاقا اقتصاديا. هذا الإنسان الذي صورته كاميراتنا العربية حين وجد حافظة للنقود في أحد شوارع طوكيو قطع الطرق متوجها إلى مركز للشرطة ليودع الحافظة دون أن يحاول حتى مجرد فحص ما بداخلها.
وهنا أتذكر يوم أن دخلت أحد المتاجر لبيع المواد الغذائية في باريس لشراء بعض الحاجيات، ووجدت سعرين مختلفين لمنتج واحد من معجون الأسنان نفس الشركة ونفس العلامة التجارية ونفس الحجم، فذهبت للبائع استفسر منه فضولا، لماذا سعران مختلفان لنفس المنتج؟
فأجابني أن سعر المنتج قد ارتفع بالأمس وأن العبوة الأقل سعرا كانت بالمتجر قبل ارتفاع الأسعار. فتوقفت لبرهة محاولاً أن ألملم نفسي لكيلا يلحظ البائع دهشتي وأنا أحدث أبنائي بذلك، وتذكرت حال التجار في بلادنا العربية حين يخزنون السلع أملاً في ارتفاع أسعارها ومسلكهم حين يستشعرون أن زيادة في الأسعار قد تحدث قريبا.
ولا أنسى يوم أن قص علي أحد الأصدقاء من الدول العربية عما حدث له حين كان طالبا في إحدى جامعات الدول الأوروبية وأراد أن يعمل أملاً في جمع القليل من الأموال التي تعينه على سداد المصروفات الدراسية، ولم يتح له سوى اللحاق بأحد المطاعم وكان مطلوبا منه أن يعمل ثماني ساعات يوميا، إلا أن عمله يتجاوز ذلك بضع دقائق يوميا ولم يكترث الصديق لذلك. وعند محاسبة صاحب المطعم له وجده يحاسبه على الدقائق الإضافية التي عملها.
هنا أدركت دون كبير جهد أن القضية من المبتدأ في ضمير الإنسان الذي ينعكس في سلوكه، وتيقنت أنه اذا أردت أن تعرف مقامات الأمم على سلم الحضارة البشرية، فانظر فيما أقام الله أبناءها حاضرا وما يتطلعون إليه مستقبلا، تلك سنن كونية لا علاقة لها بدين أو مذهب، وإن واقع بعض بلادنا العربية مطابق لحال أبنائها.
هذا الضمير هو الرقيب الذاتي الذي لا يمكن أن تتوارى منه، فهو معك أينما كنت وعندما يكون مستيقظا يلوم النفس ويؤلمها ألما أشد من السياط الملتهبة، ويجافي النوم بسببه المآقي، وهو ذاته الذي نؤجل مواجهته أو نصطنع من المبررات ما يحجبنا عن مكاشفته حين نمعن في اكتساب حقوق الناس ونتجاوزهم ونزداد شراهة في الجمع والتسلط، مبررين سلوكياتنا بدوافع مختلفة.
ولكن في لحظات كاشفة يستيقظ ذلك الضمير ليغير مسالك الناس من حال إلى حال، وهنا لا يجب سد منافذ الرجوع والإنابة إلى الصواب في وجه من اقترف خطأ في لحظات الضعف الذي هو جزء من التركيبة الإنسانية، ونظل نلاحقه به في حياته وربما بعد مماته، والعودة إلى الحق والرشاد تجب ما قبلهما.
أقول وعالمنا العربي يموج من أقصاه إلى أقصاها بثورات واحتجاجات رفضا للظلم وضياع الحقوق بين الناس. إننا نحمل الكثير مما آل إليه حالنا كأمة عربية إلى المسؤولين والحكام، متناسين أننا جزء من هذه الأمة كما أننا لسنا بريئين من هذا الوضع، منا من كان مؤتمنا على المال العام فأهدره، ومؤتمنا على الوقت العام فضيعه، ومؤتمنا على أمانات غيره فخانها.
لذا فإننا بحاجة إلى إيقاظ ضمائرنا أولاً فيما نحن قائمون أو مقدمون عليه لكي نستطيع بصدق أن ننشئ جيلا صاحب ضمير حي يحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويزن أعماله قبل أن توزن عليه. فالضمير اليقظ لا يتكون هكذا بين يوم وليلة لكنه ثمار جهد تربوي كبير على مدار أيام وليال نقدم فيه نحن أولاً النموذج والقدوة ليشب الولدان على ذلك ويصبح جزءاً من شخصيتهم يمارسونه مظهرا وجوهرا قولا وفعلا، دون معاناة وبشكل طبيعي، فمن شب على شيِء شاب عليه.
وهنا يأتي دور الأسرة وسلوك راعيها الذي لا يجب أن ينهى عن خلق ويأتي بمثله، ثم دور المدرسة وقيم معلميها، ثم الإعلام ونماذج القدوة والقيم التي يجب التركيز عليها لتشاع حالة من المراقبة الذاتية دوافعها قيم اختلطت باللحم والعظم، وستنعكس آثارها لا محالة على واقع أمتنا لتتبوأ المكان والمكانة الجديرة بها، لأنه من سنن الله في كونه ألا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .. من هنا نبدأ.