لم أكن أنتوي فتح ما يسمى بالملف الطائفي في مصر مرة أخرى، غير أن الصمت على ما جرى ويجري مؤخراً، من أحاديث تتناول تقسيم مصر، وخلق دولة، أو قيام حكم ذاتي للأقباط ، يعد في حقيقة الأمر جريمة كبرى، سيما وأن أي مصري لديه عقل ناضج، مسلماً كان أم مسيحياً، يعلم تمام العلم عبثية هذه الرؤية.

على أن الخطورة في الأمر، أن وراء تلك الدعوات التي تبدو اليوم ضروباً من الجنون، خطط وأجندات، يريد أصحابها تحقيق مصالحهم الاستراتيجية، والتي نطلق نحن عليها بسذاجة شديدة «نظرية المؤامرة».

ولعل انفصال جنوب السودان في الأسابيع مؤخرا، لم يكن جرس إنذار فحسب لاحتمالات تكرار سيناريو الانفصالات والانقسامات، بل ربما أضحى عاملا محفزا وتجربة رائدة لجماعات عرقية أو مذهبية، للسير في ذات الطريق وعلى نفس المنوال.

هل هذا ما دفع جماعة من الأقباط المعروفين بميولهم المتطرفة من المغتربين في خارج مصر، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية على وجه التحديد والتخصيص، لإعلان قيام دولة قبطية، ذات حكم ذاتي كمرحلة لاحقة بعد مطالبات عديدة بفرض الحماية الدولية على الأقباط.

للموضوعية يلزم بداية الإشارة إلى أمر هام، وهو أنه من الخطأ الشديد القول بأن أقباط مصر بأكملهم في الانتشار، يتفقون وهذه الرؤية العبثية، ومع ذلك يبقى صوت الجماعات المطالبة بالانفصال هو الأعلى والأكثر ضجيجا، من منطلق ان العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة.

بتاريخ العاشر من يوليو الجاري، عقد في مدينة نيويورك اجتماعاً ضم من أطلقوا على أنفسهم اسم «الهيئة التأسيسية للدولة القبطية»، وقد أعلنوا في بيان أولي، أن دولتهم ستشمل حكماً ذاتياً للأقباط في مصر، وسيعمل المؤسسون ولجنة المائة والأعضاء بداخل مصر وخارجها، في غضون الأيام المقبلة على حشد التأييد الدولي لفكرة الدولة الجديدة بين أقباط مصر، والتي ستكون على شاكلة « دولة أكراد العراق».

ويضيق المسطح المتاح للكتابة عن وصف ملامح المشهد العبثي، الذي يتجاوز في مراراته مسرحيات صموئيل بكيت العبثية، والواردة في رسم ووسم دولة الأقباط، فبحسب الإعلان الأخير:« سيعيشون في ذات المناطق على امتداد مصر كلها، وسيكون لهم تنظيم سياسي مستقل عن الحكومة المركزية في صورة حكم ذاتي، وسيكون لهم محاكم خاصة، وقضاة مسيحيون يحكمون وفقا لأحكام الكتاب المقدس، ومحاكم مدنية تطبق القانون الفرنسي، ومحاكم جنائية تطبق القانون الدولي، ومحاكم أخرى مختلفة تنظر في النزاعات بين المسلمين والأقباط، وسيكون لهم وزارات مقابلة للوزارات الحكومية، بما فيها الشرطة والمخابرات وأمن الدولة، وكذلك جامعات ومدارس قبطية».

البيان يفيض بعنصرية بغيضة تنم عن جهل واضح وفاضح بالمكون الحضاري والثقافي العربي، الذي شارك المسيحيون العرب في بنائه، عندما يتحدث عن ضرورة أن يكون للجامعات القبطية والمدارس القبطية، حق تربية أجيال لتعليمهم اللغة القبطية وإبعاد اللغة العربية التي يصفها البيان بأنها لغة المحتل العربي عن هذا التعليم.

هل هي سخرية الأقدار أم عبث الأقدار، تلك التي تدفع هذا الفصيل إلى مثل هذا الإعلان، وفي الوقت الذي تكافح فيه مصر الثائرة بأقباطها ومسلميها، من أجل قيام الدولة المدنية، دولة كل المصريين، دولة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية والتكافؤ والتكافل.

هل من طريق أمضى في شقه للصف المصري من تلك الدعوة العنصرية التي تريد تفتيت مصر وتفكيكها وتنادي بمحاكم دينية في مطالبة واضحة بعودة ظلامية الحكم الديني الذي عرفته أوروبا في القرون الوسطى من جديد؟

التاريخ لا يكرر ذاته كما يقول كارل ماركس، وعقارب الساعة الخاصة بالدولة الدينية لا تعود إلى الوراء أبداً، ولم يعد حول العالم مكان لتلك الدولة.

عطفاً على ذلك فإن هناك أسئلة جديرة بأن تطرح من عينة من أعطى هؤلاء وكالة للحديث باسم الأقباط أولا ؟ وثانياً هل الأقباط كتلة مذهبية واحدة؟ أم أن الأغلبية بينهم تنظر كثيراً في الأمور العقائدية تحديدا إلى ما عداها من طوائف مسيحية مصرية نظرة فوقية استعلائية، وأحياناً عنصرية، تصل إلى درجة عدم الاعتراف بإيمان الآخرين، وهذه قضية قائمة بذاتها.

يمكن القول بوضوح وصدق إن هناك مطالب عادلة للأقباط، ومشكلات بعضها قائم حتى الساعة، وقد كسبت بالحوار والمودة في حضن الوطن الواحد، مناصرين من إخوانهم في الوطن من المسلمين، وبات عدد من رموز الوطن من المسلمين في مقدمة الصفوف المطالبة بإحقاق أي حقوق منتقصة للأقباط، دون حماية دولية أو دولة مستقلة، وفي سعي الجميع لمصر المدنية القادمة.

لم تلق تلك الدعوة المنفلتة ولا أظنها ستلقى يوما من أقباط مصر أي تأييد أو دعم، وقد رفضها الأقباط كنسيا وشعبيا، فالمصريون الأقباط الذين هتفوا «الله أكبر» مع المسلمين لحظة عبور قناة السويس، لن يقبلوا يوماً بأن يتحقق مراد دول بعينها لم توفر الإعلان جهرا عن نواياها في تقسيم مصر.

ومع ذلك ينبغي ألا نهون من شأن تلك الدعوات، والتي تجد من يتلقفها ويبني عليها قضايا، لا تلبث أن تضحى مثل كرة الثلج، وكثيراً ما قيل أن معظم النار من مستصغر الشرر.