هل ثمة خطر نووي يتهدد العالم أعظم من خطر كوريا الشمالية؟ فهذه الدولة المارقة التي تملك أكثر من عشر قنابل نووية ولها سجل مريع في انتهاكات حظر انتشار الأسلحة، في ظل قيادة زعيم مخبول، لا يمكن التعويل عليها إلا في أمر واحد فقط: وهو التسبب بالمتاعب لجيرانها وللجميع.
والشهر الماضي فقط، اعترضت سفن حربية أميركية سفينة كورية شمالية تحمل صواريخ إلى ميانمار (بورما) وردتها على أعقابها.
ولهذا كله، ستكون هذه بمثابة مفاجأة غير سارة للجميع تقريباً هنا: فقبل بضعة أيام، اختارت الأمم المتحدة كوريا الشمالية، أجل كوريا الشمالية، لتكون الرئيس الجديد لمؤتمر الأمم المتحدة لنزع السلاح، والذي يعتبره القائمون عليه «المنتدى الوحيد الذي ينظمه المجتمع الدولي بمشاركة أطراف متعددة للتفاوض على قضايا نزع السلاح».
ورحب معظم أعضاء المؤتمر، الذي يضم في عضويته 65 دولة، علناً بالرئيس الجديد، الذي حصل أيضاً على مباركة أمين عام الأمم المتحد بان كي- مون.
هل هذه دعابة؟ يجب أن تكون كذلك. لكن كما يقول الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية ديفيد كندي هذه هي «الطريقة المألوفة» التي تمارس بها الأمم المتحدة عملها. ولا ينبغي أن ننسى مثلاً أن مجلس حقوق الإنسان الذي تستضيفه الأمم المتحدة يضم في عضويته دولاً مثل الصين وكوبا وباكستان وليبيا.
حسناً لا داعي للقلق. فالرئيس الجديد لمؤتمر نزع السلاح، ممثل كوريا الشمالية، سو سي بيونغ، وعد أن يكون «منخرطاً جداً في العمل من أجل دفع المؤتمر قدماً» لكي يستطيع «تحقيق نتائج ملموسة». يا له من تصريح يبعث على التفاؤل. لعل بلده يريد أن يقدم مثلاً يقتدي به العالم ؟
في الواقع ان كوريا الشمالية تقدم مثلاً غير مسبوق للعالم، فهي الدولة الوحيدة التي تتشبث بعناد بترسانتها النووية على الرغم من أن زعماءها يعرفون حق المعرفة أن الملايين من شعبهم يتضورون جوعا نتيجة لذلك. لا بل إن المنشقين يتحدثون عن وضع حرج لدرجة أن الناس هناك بدؤوا يتحولون إلى آكلين للحوم البشر. كل هذا في سبيل أن يحتفظ يم يونغ-إيل بقنابله النووية.
لكن هذه ليست هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها كوريا الشمالية مجاعة. فالعجز الكارثي في المواد الغذائية في أواخر التسعينيات تسبب بموت نحو مليوني شخص. وفي ذلك الحين، عندما عرف العالم بالمشكلة، متأخراً شهوراً عدة، بادر إلى تقديم مساعدات وفيرة. لكن زعماء الدولة وأزلامهم احتفظوا بمعظم تلك المساعدات لأنفسهم ووقفوا يتفرجون وهم متخمون على شعبهم الذي يتضور من الجوع.
لذلك، هذه المرة، لا أحد يبدو على استعداد لتقديم الإعانات. وتناشد الأمم المتحدة الآن من البلدان الثرية، بما في ذلك الولايات المتحدة واليابان، لتقديم المساعدات. لكن رغم التضرع والاستعطاف طيلة أشهر، لم يجمع مكتب الشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة سوى 20 بالمئة مما تحتاجه كوريا الشمالية، وإن كان الاتحاد الأوروبي قد قدم تبرعات متواضعة قبل أيام.
ويبدي مسؤولون آخرون في كل من واشنطن وطوكيو وسيئول وأماكن أخرى من العالم غضبهم من بيونغ يانغ لأسباب متعددة، من أبرزها أن كوريا الشمالية ترفض منذ سنوات طويلة المشاركة في مفاوضات نزع الأسلحة. وفي 2003، انسحبت من معاهدة منع انتشار الأسلحة، وقامت بعد ذلك باختبارين على أسلحة نووية.
ومنذ أسابيع، والولايات المتحدة تؤكد أنها تدرس طلب تقديم المساعدات، لكن، روبرت كينج، المبعوث الخاص لحقوق الإنسان في كوريا الشمالية، قال أمام الكونغرس الشهر الماضي إن واشنطن لا تريد «للناس في كوريا الشمالية أن يظلوا تحت نير المجاعة، بينما تذهب المساعدات الغذائية إلى الحكومة» بدلاً منهم.
وفي ظل الوضع الراهن تقتات أعداد غير محددة من الكوريين الشماليين على العشب الذي يقطفونه من الحقول. والأسبوع الماضي بث التلفزيون الأسترالي مقاطع فيديو مريعة مهربة من كوريا الشمالية تظهر «أولاداً قذرين ومشردين وأيتاماً يستجدون الطعام»، بينما «يطلب الجنود الرشوة من الناس». وأمام كل هذه المشاهد أصدر الحاكم كيم أمراً يقضي بإغلاق كل جامعات البلد في الأول من يوليو وإرسال الطلاب للعمل في مشاريع بناء وفي حقول الأرض حتى أبريل المقبل.
لعله يظن انه إذا أسهم الجميع في العمل على حل المشكلة، يمكنهم المساعدة في إنهاء المجاعة. كلا ليس هذا هو السبب. ففي الحقيقة إن معظم المحللين يعتقدون أن كيم يراقب الانتفاضات العربية ويريد تشتيت طلاب جامعات البلد لأنهم بذور أي ثورة محتملة.
في هذه الأثناء، نقلت وكالة أنباء يونهاب الكورية الجنوبية عن وثيقة مسربة من الشرطة في كوريا الشمالية وصفها لتفشي ممارسة أكل لحوم البشر على نطاق واسع، بما في ذلك قصة «حارس لم يتمالك نفسه من الجوع، فقتل زميله بفأس وأكل بعض لحمه طازجاً، ثم باع البقية في السوق» على أنها لحم ضأن !
ومع أن أحداً لم يقلها علانية إلى الآن، فمن البديهي أنه إذا تقدم القائد الأعلى كيم وأعلن عن استئناف محادثات نزع الأسلحة، فسوف يتبخر جزء كبير من تحفظ الناس بشأنه. ولعله لن يجد أفضل من هذه الفرصة للقيام بمثل هذا التحرك، بينما ترأس بلاده مؤتمر الأمم المتحدة لنزع الأسلحة.