يختلف موسم السفر والسياحة لأبناء الخليج العربي هذه الأيام، عما اعتادوا عليه. فقد اعتاد أبناء الطبقة المتوسطة، الذين يمثلون الغالبية الساحقة للمجتمعات الخليجية، أن يقضوا جزءاً من الصيف أو كله في أرض الكنانة وبلاد الشام، والقلة منهم تذهب إلى تونس والمغرب. ومع تلاحق الأحداث في هذه المناطق، وعلى وجه التحديد مصر وسوريا وتونس، فإن أعداد المصطافين قلت، بل ربما أصبح من النادر أن نسمع أن من أصدقائنا ومعارفنا، من ذهب أو سيذهب في المتبقي من العطلة إلى هذه الدول.

والأمر لا ينسحب على المواطنين فحسب، بل يمتد إلى الجاليات التي تنتمي إلى هذه الدول والمقيمة في منطقتنا الخليجية، فالبعض من هؤلاء قرر البقاء في موطن هجرته، تخوفاً من الأوضاع وتفادياً للتطورات الطارئة. ومن المعروف أن أعداد هذه الجاليات في عموم دول مجلس التعاون، وبالذات من مصر والأردن وسوريا واليمن، تقدر بالملايين. وبقاء هؤلاء بأعدادهم الغفيرة، له انعكاسات اقتصادية إيجابية على المنطقة، وانعكاسات سلبية على دولهم.

وجهات جديدة أخذت تجذب أبناء المنطقة في ظل هذه الأوضاع، ومنها تركيا ودول جنوب شرق آسيا، مثل تايلاند والفلبين وماليزيا. والواقع أن الدول الأخيرة، وهي دول جنوب شرق آسيا، ظهرت منذ ثلاثة عقود كمنطقة جذب لأبناء الطبقة المتوسطة الخليجية الباحثين عن مناطق سياحية تتناسب مع دخولهم.

ومن الجهات السياحية التي فرضت نفسها بجدارة في السنوات الأخيرة أيضاً، مدينة دبي، حيث أضحت فنادقها ومنتجعاتها وأسواقها ومنتزهاتها وشواطئها، مقصداً لأهل المنطقة مع جذبها أيضاً لسائحين من جميع دول العالم. تشهد على ذلك كثرة فنادقها واكتظاظ مطارها بالقادمين والمغادرين، وحسن المعاملة الذي يلقاه السائح. واستطاعت دبي أن تجعل سياحتها دائمة، شتاءً وصيفاً، متخطية عقبة المناخ الصيفي القاسي، بما يمكن أن نطلق عليه "السياحة المكيفة". ولعلها الأكثر استفادة من الناحية السياحية هذه السنة من تداعيات الأحداث التي شهدتها المنطقة، فقد أصبحت وجهة رئيسية لأبناء المنطقة، خاصة في هذه العطلة الصيفية.

وأبناء المنطقة هؤلاء ـ كما ألاحظهم في زياراتي الكثيرة لدبي ـ يختلفون في نمط استهلاكهم عن بقية السائحين. وفي اعتقادي أن أيادي هؤلاء مبسوطة أكثر بكثير من غيرهم، فتسوق نسائهم بالذات، لا يضاهيه تسوق نساء أي جنسية، والصحون الفارغة أمام أبواب حجرات الفنادق، عادة ما تكون لنزلائها الخليجيين، علماً بأن الأكل في الفنادق أغلى بكثير من الأكل في الخارج، فضلاً عن أن "الروم سيرفس" عليه رسم خدمة تضاف إلى سعر الوجبة. وهم في تنقلاتهم يستخدمون سيارات الأجرة على الأغلب الأعم، وإن كنت ألاحظ زيادة في استخدامهم للمترو، وعلى وجه الخصوص من قبل العائلات..

وقطاع السياحة أكثر حساسية من أي قطاع اقتصادي آخر تجاه الحالة الأمنية، إذ لا يغامر السائحون عادة بالذهاب إلى أماكن ينعدم فيها الأمن أو يشيع فيها الاضطراب. ولا شك أن الدول التي يعتمد اقتصادها على السياحة، تحرص أشد الحرص على طمأنة السائحين بحالة الأمن والأمان التي تسودها. وتتواتر التقارير الاقتصادية عن الخسائر التي تكبدتها الصناعة السياحية في دول كتونس ومصر وسوريا، منذ المخاض الذي تعيش فيه. وتمثل السياحة لتونس ومصر مورداً اقتصادياً رئيسياً، فعدد العاملين فيها في مصر على سبيل المثال يربو على المليون، ويعيل هؤلاء عدة ملايين غيرهم.

وفصل الصيف السياحي قصير هذه السنة، لوقوع شهر رمضان الكريم في عطلته الصيفية، حيث ستكون غرته في الأول من أغسطس القادم، وهو شهر لا يفضل المسلمون السفر فيه. بيد أن نوعاً آخر من السياحة ينشط فيه، وهو السياحة الدينية، إذ تمتلئ فنادق الأراضي المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة، بالآلاف من المعتمرين وبالذات من الدول الخليجية أو من داخل المملكة العربية السعودية. وباتت السياحة الدينية من النشاطات الاقتصادية، التي هي موضع اهتمام كبير من قبل الدولة السعودية والقطاع الخاص فيها على حد سواء.

والحق أن السياحة والسفر باتا جزءاً أساسياً، ليس من حياة الأسرة الخليجية من الطبقة الثرية والمقتدرة، بل وأيضاً من حياة الأسرة المنتمية إلي الطبقة المتوسطة، إذ من النادر أن تسمع عن أسرة خليجية لم تغادر بلدها منذ سنوات. وباتت الأسرة الخليجية بشكل عام، تضع "بنداً دائماً" في ميزانيتها مخصصاً للإنفاق عليها. وهذا بالطبع جزء من التراث الخليجي العربي، حيث جاب آباؤنا وأجدادنا البحار، لكن شتان ما بين شظف العيش الذي كابده هؤلاء بحثاً عن لقمة العيش في أسفارهم، وتلك المتعة التي نجنيها نحن من أسفارنا السياحية.

وأخيراً، يمكن أن تكون السياحة باب رزق لكثير من شبابنا، ومجالاً لاستقطاب الطاقات الوطنية، كالعمل في النشاط الفندقي أو مكاتب السياحة وتنظيم الرحلات الجماعية، والإرشاد السياحي، وفي المتاحف والأماكن التراثية، وفي المطارات وغيرها. وتوجيه شبابنا إلى هذه المجالات أمر حيوي، وهو يحتاج إلى ربط التعليم عندنا باحتياجات السوق المختلفة، ومنها احتياجات القطاع السياحي، مع تغيير التوجهات الاجتماعية نحو العمل بشكل عام.