الفضيحة التي تحيط بإمبراطورية روبرت مردوخ الإعلامية في بريطانيا، ليست مفاجئة للمتابعين للدور الخطير الذي يلعبه داخل بريطانيا وخارجها. وروبرت مردوخ أسترالي المولد أميركي الجنسية، يميني التوجه وصهيوني الهوى.

وهو يملك إمبراطورية ضخمة حول العالم، من الصحف والمجلات والشبكات التليفزيونية ودور النشر وشركات الأفلام والمنوعات، صار من خلالها مهيمنا على سوق الصحافة، مثلا، في بريطانيا ونيوزيلندا وأستراليا، بينما نجح في تغيير وجه الحياة السياسية في الولايات المتحدة الأميركية.

والجدير بالملاحظة أن الفضيحة التي تحيط اليوم بإمبراطورية مردوخ ليست جديدة، فجوهرها ـ دون نطاقها - معروف منذ خمس سنوات. فمنذ عام 2006 يعرف البريطانيون أن جريدة "نيوز أوف ذا وورلد" المملوكة للرجل، قامت بالتجسس على هواتف الكثير من المشاهير وبعض أفراد العائلة المالكة البريطانية، بغرض الحصول على معلومات مثيرة لنشرها.

لكن القضية وقتها لم تستحوذ على الكثير من الاهتمام، حيث اقتصر الأمر على بعض التحقيقات، وصدر بناء عليها حكم بالسجن على شخصين ثم أغلق الملف. وقتها بررت الشرطة موقفها، بأنه لا توجد أدلة جديدة تسوغ المضي قدما في التحقيقات.

لكن تبين مؤخرا أن من كانت تتجسس عليهم الصحيفة، أكثر بكثير مما قيل في 2006، فهو شمل أسر الجنود الذين قتلوا في أفغانستان والعراق، بحثا عن مواد مثيرة للنشر، وهو ما أثار الرأي العام البريطاني، خصوصا أنه تزامن مع الكشف عن أن الصحيفة تجسست على هاتف طفلة لا يتجاوز عمرها الثالثة عشرة، بعد أن تم اختطافها من جانب مجهولين.

ولأن البحث عن الطفلة في تلك الفترة كان لا يزال جاريا، فقد لعب ذلك التجسس دورا في تضليل السلطات وإرباك أسرة الفتاة. فالجريدة كانت تتابع الرسائل الصوتية التي يسجلها الناس على هاتف الفتاة، بحثا عن مادة مثيرة، ولذلك فقد لجأت لحذف الرسائل القديمة كلما امتلأ الصندوق، حتى يستقبل الهاتف رسائل جديدة، وهو الأمر الذي أعطى الأمل للأسرة والانطباع لأجهزة الأمن، بأن الفتاة على قيد الحياة، لأنها تحذف رسائلها أولا بأول، حتى تم العثور على رفاتها.

لكن الفضيحة لم تتوقف عند التجسس على الهواتف، وإنما امتدت لتشمل رشوة ضباط شرطة مقابل تسليمهم تكنولوجيا التجسس. بل وصل الأمر إلى التجسس على هواتف الضباط الذين كلفوا بالقيام بالتحقيق الذي أجري عام 2006، بهدف تهديدهم، وهو ما اتضح أنه نجح فعلا، حيث قام أولئك الضباط، كما قلنا، بإغلاق الملف بسرعة، خوفا من انتقام الجريدة منهم عبر نشر أسرار حياتهم الشخصية.

وأخطر ما في القضية، هو أنها لم تكن تمثل فقط انحرافا عن القواعد المهنية، وإنما مثلت أيضا هدما للخط الفاصل بين الإعلام والدولة. فالإفساد لم يكن للصحافة فقط، وإنما لممثلي القانون عبر رشوتهم أو ترويعهم حتى لا يقفوا ضدها. بل قال غوردون براون رئيس الوزراء السابق، إن الصحيفة استأجرت مجرمين معروفين للتجسس على حسابه البنكى. أما رئيس الوزراء الحالي ديفيد كاميرون، فقد عين مستشارا له كان يعمل في إمبراطورية مردوخ أصلا، وتم القبض عليه منذ أيام. والفضيحة لم تقتصر على "نيوز أوف ذا وورلد"، وإنما تبين أن الصنداي تايمز واسعة الانتشار والمملوكة لمردوخ، متورطة هي الأخرى في سلوكيات مماثلة، مما أدى لفتح تحقيق واسع يشمل استدعاء مردوخ نفسه وابنه ومساعديه، أمام مجلس العموم.

ولا يمكن فصل الفضيحة برمتها عن مردوخ نفسه، فهو منذ بدايته في السبعينات، أعلن صراحة أن الصحافة عنده عمل هدفه الربح، والإعلام سلعة كغيره، وهو لم يخف احتقاره للمعايير المهنية، ولا هو احترم أبدا الفصل بين الملكية والتحرير، فهو يتدخل بقوة في المضمون الإعلامي، عبر اختيار من يتفقون معه أيديولوجيا لإدارة العمل، الأمر الذي جعل إمبراطوريته بوقا لليمين ولمناصرة إسرائيل في شتى أنحاء العالم.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة، هو ما إذا كانت فضيحة بهذا الحجم سوف تؤدي لفتح تحقيق مماثل في أميركا، فهناك يلعب الرجل دورا سياسيا بالدرجة الأولى. فكل الصحف والمؤسسات التي يملكها، عبارة عن منابر للدعاية الأيديولوجية. فهو على سبيل المثال، مالك لـ"نيويورك بوست" اليمينية، ولمجلة "ويكلي ستاندرد" أحد أهم منابر المحافظين الجدد، ومؤسس قناة "فوكس" الإخبارية ومالكها. وبينما ينفق مردوخ بلا حساب على الويكلي ستاندرد رغم خسائرها، فإن كل الدوريات العلمية المتخصصة تعتبر أن النيويورك بوست وفوكس نيوز، لا تلتزمان بالمعايير المهنية مطلقا.

ورغم أن ذلك هو الحال بالنسبة لمجلات وصحف أخرى مملوكة لمردوخ في أميركا، فإن الأخطر على الإطلاق هو قناة فوكس، التي صارت تروج للكثير من نظريات المؤامرة، خصوصا تجاه العرب والمسلمين، وينطوي خطابها على عنصرية لا تخطئها العين تجاه كل الأقليات في أميركا، وتقدم رؤية أيديولوجية تدافع عنها، حتى ولو عبر معلومات غير دقيقة.

 وفوكس لعبت دورا خطيرا في إحداث تحولات كبرى في الحياة السياسية الأميركية، فرغم أن دراسات عدة وثقت الكثير من الأكاذيب التي تنشرها القناة، إلا أن الجدل حول تلك الأكاذيب يروج لها، حيث تتناقل وسائل الإعلام الأخرى ذلك الجدل كخبر. بل أكثر من ذلك، فإن تغطية فوكس الإثارية، خصوصا منذ 11 سبتمبر، والتي تخون من يعارضها، مثلت في ذاتها رادعا لقنوات أخرى فاضطرت لتغيير سياستها لتبقى في المنافسة، فيما صار يعرف "بفوكسة" الإعلام الأميركي.

ورغم أن دور مردوخ في أميركا لا يقل خطورة عنه في بريطانيا، إلا أن نفوذ إمبراطوريته الإعلامية في أوساط اليمين الأميركي بكل أطيافه، سيكون على الأرجح حجر عثرة أمام أي فحص لدور الرجل وإمبراطوريته، ما لم يظهر تورطه في فضيحة كبرى تمس أمن الولايات المتحدة ذاتها.