بدأت المواجهة اللبنانية - الإسرائيلية لرسم الحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية، في ظل حكومة الرئيس سعد الحريري السابقة. لكن إسرائيل أقدمت في 10 يوليو 2011 على إجراء أحادي الجانب، في محاولة اعتداء صريح على حقوق لبنان في موارده الطبيعية من الغاز والنفط، مما استدعى تحركا سريعا من جانب حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي أعطت هذا الملف طابع الأولوية بعد نيلها الثقة، وبدأت تحركها في 12 يوليو الجاري.

كان مجلس وزراء إسرائيل قد أقر ترسيم حدودها البحرية، مستندا إلى اتفاق كانت قد وقعته الحكومة اللبنانية بالأحرف الأولى مع الحكومة القبرصية عام 2007، فأضافت إلى حصتها المفترضة، منطقة تزيد على السبعة عشر كلم طولا، يرجح وجود نفط وغاز طبيعي فيها. وتجاهلت إسرائيل بالكامل احتجاج لبنان، وتحذيره لها من استغلال تلك الموارد باعتباره انتهاكا معلنا للقانون الدولي ولسيادة لبنان.

تسعى إسرائيل إلى توظيف قرصنتها لأهداف سياسية، عبر إحداث أزمة داخلية بين اللبنانيين. فتنبه مختلف أطراف النزاع في لبنان إلى تلك الأهداف، ودعت تلك الأطراف إلى قيام وحدة وطنية شاملة في مواجهة ملف الاعتداء الإسرائيلي، ومنعه من أن يتحول إلى عامل انقسام بين اللبنانيين. وبدأت الحكومة اللبنانية إعداد ملف علمي متكامل يرفع إلى الأمم المتحدة، مزودا بكل المستندات والوثائق الضرورية لإثبات حق لبنان في استغلال موارده الطبيعية من النفط والغاز، والعمل على ردع إسرائيل عن التفرد بها أو قرصنتها.

كان لبنان قد طلب من قوات الطوارئ الدولية "اليونيفيل"، المساعدة على إنجاز ترسيم الخط البحري مع إسرائيل، لكنها رفضت الطلب بحجة أنه لا يدخل ضمن مهمتها. فكان على حكومة لبنان، ومعها مجلس النواب اللبناني، إعداد خرائط واضحة تؤكد حقوق لبنان في المنطقة الاقتصادية المتنازع عليها، دون أن تثير إشكاليات مع قبرص بعد الاتفاق الموقع معها مبدئيا حول استثمار الثروات الطبيعية المشتركة.

سارعت الحكومة اللبنانية إلى إشراك خبراء متخصصين، لبنانيين ودوليين، للعمل على رسم حدود لبنان البحرية، بالاستناد إلى تعريف الأمم المتحدة لقانون البحار. ومن أول واجبات إسرائيل توقيع هذا الاتفاق أولًا، قبل أن تتحدث عن القوانين الدولية. وفي حال قررت التعدي على ثروة لبنان الطبيعية، ستواجه بكل الوسائل المتاحة، فليس هناك لبناني واحد يقبل بالتخلي عن حقوق بلده النفطية أو البحرية. وتدرك الشركات المتعاونة مع إسرائيل في مجال التنقيب عن النفط والغاز، مخاطر التعدي على الحقوق المشروعة للبنانيين.

لقد تحركت الحكومة اللبنانية لتدارك الخطر المحدق بلبنان، الذي خلفته اتفاقية تحديد الحقول المائية للغاز والنفط بين قبرص وإسرائل، والتي تلحق أضرارا كبيرة بثروات لبنان الطبيعية، ودعت إلى وضع استراتيجية وطنية تشكل خطة مواجهة شاملة. فالصراع بين لبنان وإسرائيل متعدد الجوانب، ويتطلب تضامن اللبنانيين والعمل بروح علمية وبإجماع وطني. وقررت الحكومة إعداد الملف النفطي كمسؤولية لبنانية وطنية، لخوض مواجهة صلبة تشارك فيها جميع المؤسسات اللبنانية المعنية، وبالاعتماد على خبراء دوليين متخصصين في القانون الدولي في مجال ترسيم الحدود البحرية المشتركة.

تضم منطقة الحدود البحرية المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل، حقلين كبيرين للغاز يعدان من أكبر الحقول المكتشفة خلال السنوات العشر الأخيرة، وتقدر قيمة احتياطيهما بعشرات مليارات الدولارات. وقدم لبنان احتجاجا رسميا على انتهاك إسرائيل للقانون الدولي، حين استدرجت عروضا في مطلع 2012 لاستكشاف النفط والغاز في المنطقة المتنازع عليها.

ونتيجة التحرك اللبناني السريع، تقرر اعتماد استراتيجية مواجهة وطنية شاملة تضمنت تسعة محاور، أبرزها: حماية حقوق لبنان وثرواته الطبيعية من نفط وغاز، ضمن خطة طويلة الأمد في صراع مستمرمع العدو الإسرائيلي، وإجراء مفاوضات إضافية مع قبرص، وخوض المواجهة القانونية والهندسية والدبلوماسية، والاستفادة من أصحاب الاختصاص الدقيق والخبرة في تلك المجالات، وتجاوز المواقف السياسية والإعلامية السهلة إلى وضع استراتيجية وطنية موحدة بمشاركة الحكومة والمجلس النيابي معا.

والتحرك بسرعة دون تسرّع، وتنفيذ بنود الاستراتيجية بخطوات ثابتة ومتواصلة، وإنشاء لجنة مشتركة تضم خبراء من الإدارات المعنية تستعين دوما بخبراء عالميين في قانون البحار وأصول الترسيم من أجل الحفاظ على حقوق لبنان، وإعداد ملف لبناني متكامل في إطار مواجهة وطنية تشارك فيها قوى الموالاة والمعارضة، واعتماد الدقة في التصريحات الإعلامية الرسمية منعا لاستغلالها من جانب العدو الإسرائيلي.

بدوره، أكد رئيس الجمهورية إصرار لبنان واستعداده للدفاع عن أرضه وحدوده البرية والبحرية، وحماية حقوقه وثرواته بكل الوسائل المتاحة والمشروعة. وشدد على أن هذه القضية هي موضع إجماع لبناني، رسمي وشعبي، بما يحفظ سيادة لبنان على أرضه وموارده.

وأعلن وزير خارجية لبنان أن ملف المواجهة يدرس الآن من كل جوانبه، لتحديد كميات النفط والغاز التي يمكن أن تقرصنها إسرائيل من المنطقة الواقعة ضمن المياه اللبنانية. وستتحرك الدبلوماسية اللبنانية على الفور في اتجاه الأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، لتثبيت حق لبنان في مياهه ونفطه.

فالقرصنة الإسرائيلية مدانة من جميع اللبنانيين، وسيدافعون عن حقوقهم المشروعة مهما بلغت التضحيات، ولن يتأثر لبنان بأي تهديد أو تهويل إسرائيلي، بعد أن اعتاد اللبنانيون تلك التهديدات وأثبتوا بالإرادة الصلبة أنهم أقوى منها، وهم مصرون على انتزاع حقوقهم بكل الوسائل المتاحة.

ختاماً، بعد أن بادرت الحكومة اللبنانية إلى استكمال الملف العلمي والقانوني لمواجهة إسرائيل في الأمم المتحدة، هناك معطيات قانونية دولية تدعم حق لبنان، والمطلوب من المنظمة الدولية أن تقف إلى جانب الحق لضمان الأمن والاستقرار في هذه المنطقة. فقد بلغت إسرائيل حد الاستخفاف بالقوانين الدولية، حين طلبت من الأمم المتحدة تسجيل حدود إضافية لدولة لا حدود لها في الأمم المتحدة. وهي تسعى لقضم خط بطول سبعة عشر كلم من أراضي لبنان البحرية، واستغلال ثرواتها من الغاز والنفط.

لكن حكومة لبنان تبدو واثقة من فشل إسرائيل في محاولاتها لقضم حقوق اللبنانيين، كما أن الشركات العالمية للتنقيب عن النفط تتحاشى العمل في مناطق ساخنة متنازع عليها. ويشير بعض المحللين السياسيين إلى أن إسرائيل قد تتحول بسرعة إلى واحدة من أكبر الدول المصدرة للغاز، وتستدرج لبنان للدفاع عن حقوقه المشروعة أمام محاكم دولية يستغرق إصدار الحكم فيها سنوات طويلة، مما يثير الشك حول نية إسرائيل جر لبنان إلى مفاوضات سلام معها، فتفجر بذلك أزمة حادة داخل الحكومة اللبنانية، التي تضم قوى فاعلة ترفض الاعتراف بإسرائيل أو التفاوض معها.