في شهر سبتمبر 2011 ستكون دولة الإمارات على موعد مع انتخابات برلمانية جديدة، علينا الاستعداد والتهيئة لها منذ الآن. ولا أقصد هنا بالاستعداد من الناحية اللوجستية، فهذا من شأن اللجان الخاصة التي شكلت لهذا الغرض، ولكن من الناحية التوعوية والتعبوية.
فمن المؤكد أن الانتخابات القادمة سوف تكون مؤثرة ومتميزة وسوف تفرز عن نتائج قد تكون مغايرة نسبياً عن تلك التي أفرزتها انتخابات 2006 نتيجة لعدة أسباب. فمن ناحية تأتي الانتخابات القادمة في أعقاب فترة حراك سياسي محلي وعربي كبير نتج عنه تغيرات جوهرية طالت تفكيرنا وحتى نظرتنا إلى الآخر الذي نشترك معه في اللحمة وفي المعتقد.
من ناحية ثانية أفرزت متغيرات المرحلة الماضية حقائق متعددة لا نستطيع أن نغمض أعيننا عنها أحدها هو أهمية التمكين السياسي والمشاركة العامة في صنع القرار وضرورة إشراك جميع أطياف المجتمع في الشأن العام المتعلق باتخاذ القرارات المجتمعية. بالإضافة إلى ذلك أفرزت المرحلة الماضية ضرورات أخرى كثيرة أصبح الاعتماد على بعضها من المسلمات والبعض الآخر لا يزال حتى الآن من ضمن القضايا الجدلية.
في الانتخابات القادمة، هناك قضايا سوف تحسم بإيجابية تعود بالنفع على مجتمعنا وأخرى سوف تظل، بعد سنوات من الحراك السياسي تراوح مكانها. في الانتخابات القادمة سوف نرى ظواهر انتخابية إيجابية تتكرر وأخرى نتمنى أن لا نراها البتة لأنها ظواهر مؤسفة وسلبية سوف ترمي بظلالها على العملية الانتخابية برمتها.
من القضايا التي سوف تحسم نهائياً هي قضية توسيع المشاركة العامة مع إعطاء المرأة حقها الكامل في الانتخاب والترشيح. فمما لا شك فيه أن قضية التمكين السياسي أصبحت قضية مفصلية ولا تحتاج إلى الكثير من الجدل وحري بنا أن نوسع المشاركة العامة أكثر فأكثر حتى لا نناقض أنفسنا وحتى لا نكون في مواجهة مع ذاتنا قبل أن نكون في مواجهة مع الآخر. إما قضية مشاركة المرأة .
والتي بدأت مع الانتخابات الأولى فسوف تكون أيضاً من القضايا الأخرى المحسومة والتي قد تفسح المجال في هذه المرة أيضاً عن فوز نسوى أخر كما سجلته الانتخابات الأولى. كما أنه من المتوقع أن تبقى نسبة تمثيل المرأة في البرلمان القادم على حالها أو قد تزيد بنسبة بسيطة جداً.
من الظواهر التي نتمنى ألا تتكرر في الانتخابات القادمة هي تلك البرامج والوعود الانتخابية المبالغ فيها من قبل المرشحين والتي لا تهدف سوى إلى دغدغة أحلام المواطن البسيط ورفع مستوى توقعاته لعمل المجلس في الوقت الذي يدرك فيه المرشح جيداً أنه لن يستطيع تحويل أي من تلك الوعود إلى واقع معاش. فمن المعروف أن صلاحيات وآليات عمل المجلس واضحة ومعروفة.
ولن يتغير العمل في المجلس عن السنوات السابقة ما لم يتم تغيير أو تعديل صلاحيات المجلس وآليات عمله. إذاً فلا داعي لتلك البرامج التي تدغدغ عقل الناخب وأحلامه ما لم تعدل صلاحيات المجلس، والتي تعطي للمجلس وأعضائه صلاحيات اكبر عن تلك التي كانوا يتمتعون بها في السابق.
من الأمور الأخرى التي نتمنى ألا تتكرر هي قضية الصرف الباذخ على بعض الحملات الانتخابية. فمن المؤكد أن لكل مرشح الحق في عمل الحملات الإعلانية والصرف عليها ولكن المبالغة فيها أحياناً تكون مسيئة للذائقة العامة. فالإعلان الجيد والخطاب المتزن يوصل الرسالة أفضل بكثير مما قد توصله خيمة كبيرة نصبت لغرض دعائي.
من ناحية أخرى، هناك بعض الأمور التي نتمنى أن تتكرر وأن نراها بارزة، لأنها ظواهر حضارية تعكس طبيعة مجتمعنا والحراك العام الحاصل فيه. نتمنى أن نرى مجلساً يمثل جميع أطياف المجتمع وطبقاته، مجلساً فاعلاً يعكس طبيعة الإمارات وشعبها من حيث التوجه والحيوية والديناميكية والتفاعل الحي مع القضايا الحيوية والمصيرية للإمارات والأمتين العربية والإسلامية، وليس مجلساً جامداً، غير متفاعل وغير حيوي. نتمنى أن نرى أعضاء يصلون لأنهم قادرون على مناقشة قضايا أمتهم بعمق وبرؤية مستقبلية صحيحة.
وقادرون على إيصال صوت ناخبيهم إلى صناع القرار، وليس لأنهم قادرون على الصرف ببذخ على الحملات الدعائية وشراء الأصوات بالوعود البراقة. نتمنى أن نرى مجلساً قادراً على إعطاء دفعة جديدة وروح جديدة للعمل البرلماني وليس نسخة مكررة من المجالس السابقة ومجالس أخرى مماثلة. وفي اعتقادنا لن يتحقق ذلك دون أن يؤمن الجميع بأهمية المشاركة العامة في صنع القرار وأهمية إبداء الرأي في الشأن العام دون خوف أو وجل، واليقين بأن حرية الرأي مكفولة للجميع.
إن طبيعة عمل عضو المجلس، أن يكون حلقة وصل بين الشارع وبين صناع القرار، وبالتالي فإن على عضو المجلس واجبات مجتمعية قبل أن تكون سياسية. إن أداء تلك الواجبات بكل أمانة وصدق ومسؤولية هو تكليف وليس تشريفاً، ومتى ما آمن كل فرد بأن المجلس هو حلقة وصل بين الشارع وبين السلطة التنفيذية اجتهد كل من الناخب والمرشح في عمله.
إن هناك آمالاً كبيرة معلقة على المجلس القادم، كما أن هناك يقيناً بأن المجلس القادم سوف يكون خطوة جديدة أخرى في سبيل توطيد العمل البرلماني في الإمارات. ولكن حتى لا تذهب بعض أحلامنا وآمالنا أدراج الرياح، نتمنى من كل من الناخب والمرشح التدقيق والاختيار الصحيح، ووضع مستقبل الوطن نصب عينيه. إن الوطن أمانة ولكي نحافظ عليه علينا التعامل بحكمة وحرص مع عمليتي الانتخاب والترشيح. فهما السبيل إلى مجلس أكثر فاعلية وأكثر تمثيلاً للإمارات.