في النصف الثاني من مايو الماضي كانت الاحتجاجات والمظاهرات في سورية قد اتسعت وشملت معظم المدن والبلدات والقرى، وأربكت النظام الذي كان يعتبر ما يجري مجرد عمل متمردين ومتآمرين وعصابات. وبدا طريق التهدئة وكأنه مسدود، في هذا الوقت ألقى الرئيس أوباما كلمــة شرح فيها سياسته الشرق أوسطية، وقــال فيها (إن أمــام الرئيــس الأســد إما قيــادة آلة التحول في ســورية أو الابتعاد عن الطريق)، أي (إما أن يقود عملية الإصلاح أو يتنحى) .

ومن الواضح أن هــذا يعــني أن السياسة الأميركية لم تكن معادية للنظام السوري بالمطلق، لأنهــا طلبت من الرئيس أن يقــود عملية الإصلاح بنفسه، فإذا قادها سيكون الأمر مقبولاً لديها، وكان هذا الموقف في حينــه يخالف الموقف الأوروبي الأكثر شدة وتصلباً وعداء، إلا أن ذلك لم يمنــع الإدارة الأميركيــة من اتخــاذ عقــوبات اقتصادية بحق بعض المسؤولين السوريين وبعض رجال الأعمال وعدد من الشركات، ثم اتخذت الدول الأوروبية قرارات مماثلة. ومع ذلك استمر المراقبون يعتقدون أن الإدارة الأميركية أبقت الباب موارباً تجاه موقفها من النظام السوري وأنها لم تضع في اعتبارها وفي ممارساتها إسقاط هذا النظام، أو نزع الشرعية عنه .

يوم الاثنين الماضي صرحت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية فقالت (إن الرئيس الأسد فقد الشرعية وإن ليس للولايات المتحدة مصلحة في استمراره وإن ذهابه لن يكون أمراً لا يمكن الاستغناء عنه)، ومن الواضح هنا أن الإدارة الأميركية صعدت موقفها المعادي للنظام السوري تصعيداً نوعياً. مستغلة محاولة اقتحام السفارة الأميركية في دمشق من قبل محتجين، بعد زيارة السفير الأميركي لمدينة حماة وتواصله مع قادة المظاهرات فيها الذين اتهمهم الإعــلام السوري بالعمالة وبأخذ التعليمات من السفير وأنه يتدخل في الشؤون الداخلية السورية.

كــان قــد أشيع في بعض الأوساط السياسية والإعلامية السورية قبل أسابيع عن وجود اتفاق سري بين الرئيس الأسد والإدارة الأميركية، يقضي بأن يتــولى الرئيس بنفســه عمليــة الإصــلاح، ويحول النظام السياسي السوري إلى نظام ديمقراطي تعددي يحترم معايير الدولة الحديثــة كلها، على أن يتم هذا على التوازي مع الاســتغناء عــن الرؤوس الحاميــة والمتطــرفة في نظامــه سواء كانت في قيادات الأجهــزة الأمنيــة أم فــي قيــادات الجيــش، مقــابل تأييــد أميركي للرئيس، وسعي أميركي مع التكتلات الدولية لدعم هذه الإصلاحات الموعودة، وعزز هذا الافتراض عدم تعــرض وزير الخارجيــة الســوري وليد المعلم في مؤتمره الصحفي الذي عقــده في الشــهر الماضي للإدارة الأميركيــة بأي نقد.

في الوقت الذي هاجم فيه دول أوروبا وقال أنه ســيعتبرها (غير موجودة على الخارطة) وأن سورية تسير و(الكلاب تنبح)، وكان ملفتاً امتناعه الكلي هذا عــن نقــد الإدارة الأميركيــة . ولذلك بــدا غريباً تفجــر الخــلافات في الأيام الماضية بين الطرفين بشكل مفاجئ وتصعيدها تصعيداً كبيراً، مما أثار التساؤل حول صحة الاتفاق المشار إليه، وفي حال صحته هل تراجعت الإدارة الأميركية عنه، وما هي خطوات سياستها المقبلة تجاه النظام السوري ؟.

يقــول أنصار الاعتقــاد بوجــود اتفــاق تحت الطاولة بين الرئيــس الأســد والإدارة الأميركيــة، إن التيــار المتطــرف في النظام يحاول تخريب هــذا الاتفاق بمختلف السبل، وهــذا يفسر الهجوم الإعلامي العنيف على زيارة السفير لمدينة حماة واقتحام السفارة الأميركية وبيت السفير، وبالتالي فإن هذا الموقف الأميركي المستجد، حسب رأيهم، هو رد على أعمال هؤلاء المتطرفين من جهــة، وتحريض للرئيس ليكون أكثر جدية وسرعة في تنفيذ الإصلاحات من جهة أخرى، مما يساعد الإدارة الأميركية على تنفيذ التزاماتها تجاه النظام. ويرون أن هذه الخلافات بمجملها هي خلافات عابرة لابد أن تنتهي بتسويات جديدة، خاصة أن الطريق الوحيدة أمام النظام السوري هي القيام بالإصلاحات المطلوبة وتنحية المتطرفين عن موقع السلطة.

في الوقت الذي تخشى الإدارة الأميركية فيه من تغيير النظام بشكل عنيف وجلوس نظام محله لا تعرف أبعاد سياساته، مما يفتح الأبواب أمام المفاجآت بما قد يؤدي إلى فتن وعدم استقرار في سورية . وتصبح بؤرة للتوتر في منطقة متوترة أصلاً. وهذا ما لا ترغبه لا الإدارة الأميركية ولا الدول الأوروبية ولا الدول الإقليمية أيضاً، فضلاً عن أن تنفيذ الاتفاق المزعوم بينها وبين الرئيس الأسد سوف يحقق لها بعض المكاسب منها تحويل سورية إلى ديمقراطية على الطريقة الأميركية لها مواقف مختلفة عن مواقفها الحالية تجاه قضايا الشرق الأوسط بما فيها إيران وإسرائيل.

بقي القول إن مثل هذه السياسة الأميركية، إذا صدقت احتمالات الاتفاق الضمني بين الطرفين، ليست سهلة التحقيق، بل ربما كان تحقيقها صعباً جداً بسبب وجود شكوك في قدرة الرئيس النظام على تنحية المتطرفين والرؤوس الحامية في نظامه واستبدالهم بآخرين معتدلين، وفي الوقت نفسه من الصعب الرهان على أن النظام أصبح مؤمناً كلياً بالديمقراطية والحرية والتعددية وتداول السلطة والاستعداد للتخلي عن صلاحيات الرئيس المطلقة التي منحه إياها الدستور السوري الحالي.

مع كل هذا، يشكك بعض المراقبين في أن الإدارة الأميركية سوف تتابع عداءها للنظام السوري وصولاً إلى القطيعة بينهما، ويعتقدون أن هذا التصعيد الأميركي ما هو إلا ضغوط هدفها امتثال الرئيس لرغباتها، وتنفيذ خارطة الطريق المتفق عليها.