يبدو لمعظم الناس أن "الحرية والديمقراطية مصطلحان متلازمان، لا مجال لوجود أحدهما دون وجود الآخر، معنى وممارسة، على مختلف المستويات في المجتمع". والحقيقة أن مناقشة هذا الانطباع الواسع الانتشار بين الجمهور، لا تخلو من مزالق، وذلك لعدم وجود معايير متفق عليها عالمياً للمعنى الذي يكمن خلف مصطلح "الحرية"، وللمعنى الذي يكمن خلف مصطلح "الديمقراطية" من جهة، ولتباين ممارسات الشعوب واختلاف التجارب المستخلصة عنها من جهة أخرى.

من الناحية التاريخية، سبق مطلب "الحرية" كحق من حقوق الإنسان، مطلب "الديمقراطية" في سياقات المطالب التي وضعها الإنسان أمام المؤسسات الحاكمة، وقدم التضحيات من أجل الحصول عليها عبر التاريخ. فالكفاح الإنساني منذ بواكيره الأولى، قد تركز على عزل الإنسان عن بقية البضائع المادية التي تتيح للفرد حق التصرف بها، بيعاً أو شراءً. فثورة العبيد بزعامة سبارتكوس (71 قبل الميلاد)، لم تكن إلا لاستعادة إنسانية الإنسان في عصر الإمبراطورية الرومانية.

عصرنا الحالي له فهم آخر أكثر رحابة لمعنى "الحرية"، يتلخص في توسيع حجم الفضاء الذي يتمتع به الفرد ليحيا بشكل مستقل، من غير تعرض أفكاره وأفعاله لضغوط وانتهاكات، ويتلخص كذلك في توسيع وتنويع الخيارات أمامه، وتوسيع دائرة خصوصياته وعدم حصرها في إطار ضيق. الوسيلة لتحقيق لذلك، هي ممارسة آليات العمل الديمقراطي التي تعني بشكل رئيسي، مشاركته في رسم مسارات حياته وحياة مجتمعه.

الديمقراطية نظام سياسي يستند إلى مؤسسات دستورية تشريعية وتنفيذية وقضائية، يتراجع فيها دور الفرد وسلطته لصالح دور المجموعة وسلطتها، ويحدد الدستور عادة حجم الحريات التي للفرد حق التمتع بها وحدود ذلك. ورغم أن هذه المؤسسات تراقب بعضها وفق آليات تسمح بذلك، إلا أنها، في الوقت نفسه، عرضة لرقابة الناس الذين لهم القرار الحاسم في تقرير مستقبلها.

معظم الناس يخلط بين الحرية والديمقراطية، كما أشرنا، ولكن الحقيقة أنهما شيئان مختلفان. فقد ولدت الديمقراطية لأول مرة في مدينة أثينا اليونانية، إلا أن المجتمع الأثيني آنذاك كان بعيداً عن التقيد بمفاهيم الحرية، فقد كان اقتصاده مبنيا على "الرق"، وكان جزء من ذاك المجتمع عبيدا لجزء آخر منه. أما في العصور القريبة فإن نظام "الرق" في الولايات المتحدة، لم يتم إلغاؤه بشكل رسمي إلا بعد نهاية الحرب الأهلية الأميركية وهزيمة الجنوب أمام الشمال، أي بعد ما يزيد على سبعة عقود من تأسيس الدولة الأميركية على أسس ديمقراطية.

في العديد من الدول التي تسمي نفسها دولاً ديمقراطية، وفي الدول النامية بشكل خاص، نلمس بعض طقوس الديمقراطية في عملية الانتخابات فقط، وعادة ما تصحب ذلك نشوة عارمة وأجواء احتفالية، في الوقت الذي لا تلتفت فيه الأنظار إلى النقص والتراجع الكبير في الحريات، حريات المرأة والطفل بشكل خاص، لأسباب عديدة؛ منها الفقر وتفشي الأمية، وطغيان ثقافة وتقاليد الماضي، وفساد النخب الحاكمة. فمساحة الحرية المتاحة للإنسان تتقلص وتضيق حين لا يتمتع الفرد بالتأمين الصحي، وحين يكون عاطلاً عن العمل، وحين يكون فقيراً أو منتمياً لفئة ينظر لها المجتمع وفق ثقافة التمييز والاستعلاء. تلازم الحرية والديمقراطية في أذهان معظم الناس أمر طبيعي، لأنها ليست قريبة من مواقع رسم السياسات وصنع القرار، فهذا التلازم قد يصبح في أحيان كثيرة تصادماً لدى النخب الحاكمة.

فرغم أن الدعوات لانتهاج الديمقراطية تصدر عادة عن النخب الاجتماعية التي تتمثل بفئة المثقفين القائمين على إدارة المؤسسات المختلفة، إلا أن هؤلاء أنفسهم قد ينقلبون على الديمقراطية التي نادوا بها، حين يصبحون في موضع صناعة القرار، وذلك لأن إشراك الناس في العملية السياسية يحد من حريتهم في الانفراد بها. وعلينا ألا ننسى أن هناك بعض الطغاة في التاريخ قد صعدوا إلى سدة الحكم بطرائق ديمقراطية، ولسنا بحاجة للتذكير كيف صعد أدولف هتلر إلى المستشارية الألمانية مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم.

كان بناة الدولة الأميركية في القرن الثامن عشر، على وعي بمدى خطورة الديمقراطية على حرية النخب الحاكمة، ويعكس ذلك التوصيف الذي وضعه بنيامين فرانكلن (توفي عام 1790). فقد وصف الديمقراطية بأنها "ذِئبان وحَمل يقترعون حول وجبة الغداء"، ووصف الحرية بأنها "حمل مسلح يناضل من أجل الاقتراع".

في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول الغربية، أدت الممارسات الديمقراطية إلى خلق منظومة سياسية في غاية التعقيد، تقودها مجموعة من ذوي المصالح، يشترك فيها أكثر من لوبي، وتسندها وتديمها أموال ضخمة من مصادر مختلفة قادرة على تصنيع الرأي العام من خلال أجهزة إعلام قوية. فمن خلال الإعلام المؤثر، يتحول الجيل الجديد تدريجياً إلى مُستنسخين في طرائق لبسهم ومأكلهم ومشاربهم وأفكارهم. وفي هكذا منظومة سياسية، يتحتم على الفرد الذي يسعى للحصول على مقعد في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، تخصيص ميزانية مالية كبيرة لا تتوافر لدى الغالبية العظمى من الناس.

كما تشهد الدول الديمقراطية في الغرب تآكلاً مستمراً في الحريات، وتراجعاً في خصوصيات الأفراد، تحت ستار مكافحة الإرهاب، إلى الحد الذي يمكن القول معه إن المستقبل قد يشهد انعدام هذه الخصوصيات. فالشركات الكبيرة ورجال الأعمال الكبار، يعرفون تقريباً كل شيء عن الأفراد، من خلال مراقبة استخدامات بطاقات السحب والإيداع المصرفي، والتنصت على الهواتف الخاصة، واستخدام أحدث الوسائل التكنولوجية لرصد تحركات هذا أو ذاك.

الديمقراطية وليدة للحرية، وحجمها وسعتها يتحددان بحجم وسعة آفاق الحريات المتاحة، وحين تتآكل هذه الحريات تصبح الديمقراطية هشة قابلة للتراجع، وربما الانكسار، خاصة في الدول حديثة العهد بتبنيها.