تمتلك الولايات المتحدة شبكة واسعة من مراكز البحث والتفكير في شتى مجالات العلم والمعرفة، والتي يطلق عليها مستودعات الفكر، والغرض منها هو تحديث قواعد الفكر والمعرفة والابتكار، في عالم بات يقيّم مكانة الدول على مستوى ما تمتلكه من تلك القواعد.
ولسنا هنا في وارد التعمق في أهمية البحث العلمي في عالم الاقتصاد المعرفي المعولم، بل سنحاول أن نستخلص دروسا مهمة من تجارب مراكز الأبحاث الأميركية التي تعتبر الأقوى في العالم، من حيث العدد والميزانيات المالية وعدد الباحثين والخبراء العاملين فيها، والأبحاث والدراسات التي قدمتها تلك المراكز للعلم والمعرفة الإنسانية، فضلا عما تقدمه من دعم لوجستي لعملية التخطيط الاستراتيجي القومي الأميركي. وما يعنينا هو تلك المراكز المتخصصة في عملية التخطيط القومي للولايات المتحدة، ذلك أن عملية التخطيط القومي ترتبط إلى حد كبير بتهيئة عوامل التنمية القومية، وتحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة وفق خطط ممنهجة ومدروسة، من أجل تحقيق أفضل توظيف لموارد الدولة القومية.
والدرس الأول الذي يمكن استخلاصه من مراكز الأبحاث في الولايات المتحدة، هو حالة التنافس السائدة بين هذه المراكز، من أجل تقديم الرؤى الاستراتيجية الأميركية إلى مركز صنع واتخاذ القرار في الولايات المتحدة.
فالتنافس الحقيقي حتى يحصل، يحتاج إلى وجود عدة مراكز أبحاث بنفس المستوى الإنتاجي من البحوث، وتتشارك في نفس المضمار التخصصي، ويحتاج أيضا إلى وجود بيئة مشجعة للبحث العلمي، فهذا التنافس هو الذي يشجع ابتكار الأفكار، لأن روحية التفكير النقدي ستشعلها دوافع المنافسة، وروحية التفكير النقدي هي التي تحرر المعرفة من الجمود، وهي التي ترسم ظروف ما يسمى بعلم المستقبليات. وباختصار؛ فإن التفكير النقدي هو الذي يبحث عن الأفكار التي تصمد أمام النقد، تلك الأفكار التي تكون على درجة عالية من المنطقية والرصانة الموضوعية، لتخطيط الاستراتيجيات المستقبلية.
ونحن في دولة الإمارات ومن أجل تحقيق هدف التنافس العلمي والبحثي نحو الوصول إلى حالة الابتكار الفكري، نحتاج إلى تنوع في أنماط التفكير الاستراتيجي من خلال مراكز أبحاث متنافسة، حتى وإن كان عدد تلك المراكز خمسة مراكز، وليست 2000 مركز كما هو الحال في الولايات المتحدة.
هذا التنافس الفكري بين مراكز أبحاثنا، سيخلق بيئة من التنافس أيضا بين مؤسساتنا الأكاديمية كالجامعات والمعاهد، لينتهي في النهاية إلى بيئة إماراتية من الفكر والبحث العلمي دؤوبة الحركة، ولا تحد طموحاتها حدود، من أجل التطلع إلى مستقبل أفضل، لكن هذا التنافس الفكري لا يأتي من فراغ، بل يحتاج إلى رؤية استراتيجية في مضمار البحث العلمي، تخصص لها الموارد وتشرّع لها التشريعات المناسبة التي تتفق والهدف الذي أنشئت من أجله مراكزنا الفكرية.
والدرس الثاني الذي يمكن استخلاصه من تجربة البحث العلمي في مراكز الأبحاث، هو التوظيف العلمي والعملي لقدرات الباحثين من أجل المصلحة العامة، فكل مراكز الأبحاث الأميركية تتكون من باحثين متفرغين وباحثين مساعدين وباحثين مشاركين، والهدف العام من وراء ذلك هو تنمية مخرجات التعليم العالي، وصقل مهارات الفئات الموهوبة منها لاستخلاص نخب العقول التي يمكن الاطمئنان لها في التفكير.
ففي هذا المجال لا يقتصر البحث العلمي على الباحثين الاساسيين فقط، بل هناك من يساعدهم من الباحثين المبتدئين، في جمع المعلومات والبيانات وتصنيفها وتقييمها، وهناك من يشارك الباحثين الأساسيين في البحث، إما مناصفة أو بنسب مختلفة لعدم تفرغهم الكامل للبحث العلمي.
والنتيجة أن هناك فرق عمل جماعية تتفاوت وتختلف في مستويات وأنماط تفكيرها، تعمل من أجل تداول المعرفة بين أهل المعرفة خدمة للمصلحة العامة، وإن كان بعض المراكز يسعى للمصلحة الخاصة، لكن حتى هذه المصلحة الخاصة لا تخلو من الفائدة العامة، بسبب احتكاك الباحثين المبتدئين بالباحثين المحترفين، وبسبب تلاقح الأفكار من شتى الميول والتوجهات والانتماءات، وانصهارها في بوتقة الابتكار الفكري.
ولكي نستفيد من هذا الدرس، علينا أن نخلق برامج لتعميق العلاقة بين جامعاتنا ومعاهدنا ومراكز أبحاثنا، فمثلا تكون أبحاث التخرج لطلبة الجامعات في مراكز الأبحاث، التي يفترض أننا نمتلك منها عددا ونوعا يتناسب وقدرات وظروف الإمارات، وعلينا أن نستفيد من وجود باحثين محترفين من كل أنحاء العالم في بلادنا، ونستغل تجربتهم، فهذا التنوع الفكري وهذا التبادل الخبراتي بين باحثينا الشباب، سيولد بلا شك
كفاءات علمية تستطيع أن تقود مسيرة علمية في عالم يحترم التخصص الدقيق لكل فروع العلم والمعرفة.هذان الدرسان هما أقل ما يمكن الاستفادة منه في هذه العجالة، فهناك دروس وعبر كثيرة من مراكز الأبحاث الأميركية، يمكن البحث فيها لتطويرها، ومن ثم توظيفها لخدمة الحركة العلمية والفكرية في بلدنا العزيز.