نجح أسطول الحرية (2)، سواء وصل إلى شواطئ غزة أم لم يصل. فإذا كانت أهداف انطلاق الأسطول، هي كسر الحصار البحري المفروض على غزة وتوصيل المساعدات الإنسانية التي تحملها سفنه لأهلنا هناك، فالمؤكد أن الهدف الذي لا يقل أهمية إن لم يكن الهدف الرئيسي، هو توجيه أنظار العالم إلى الجرائم التي ترتكب في حق المدنيين الفلسطيينين، وخصوصاً جريمة العقاب الجماعي المحرمة دولياً، والتي تمارسها إسرائيل ضد أهل غزة.
وما جرى حتى الآن، منذ أن أبحرت سفن الأسطول متجهة إلى غزة، جذب الإعلام العالمي، ولو من باب تغطية قصة «شيقة» من القصص التي ترفع نسبة المشاهدة. وقد تصدرت أخبار الأسطول وما يحدث في غزة، الصحف الرئيسية ووسائل الإعلام العالمية. وفي إطار هذا كله، فإن ما اتخذته إسرائيل من إجراءات وما أعلنته من تصريحات، بخصوص قافلة جاءت بمساعدات إنسانية من شتى أنحاء العالم، كان فضيحة بكل المقاييس. فهو كشف عن المدى الذي وصلت إليه إسرائيل في استهانتها بالقوانين والمعايير الدولية، بدعم كامل من الولايات المتحدة الأميركية وتحت سمع وبصر العالم كله.
فإسرائيل متهمة من جانب النشطاء الذين كانوا على متن سفن الأسطول، بأنها ضالعة في التخريب العمدي للسفينتين الأيرلندية والسويدية، وهي بالقطع المسؤولة عن موقف الحكومة اليونانية، التي لم تمنع فقط الأسطول من الإبحار، وإنما احتجزت عدداً من النشطاء المدنيين، ومعهم قبطان السفينة الأميركية، أياماً، قبل الإفراج عنهم.
وإسرائيل متهمة أيضاً بأنها تكذب علناً ودون رادع. فهي زعمت دون دليل، أن النشطاء القادمين على متن سفن الأسطول، سيقومون باستخدام مواد كيميائية لمهاجمة الجنود الإسرائيليين حال وصولهم لوجهتهم، وهي لا تزال تزعم أن هذا الأسطول، كسابقه، مجرد وسيلة لتهريب الأسلحة إلى غزة.
بل أكثر من ذلك، راحت إسرائيل تكيف الحدث قانونياً كما يتراءى لها. ففي بيان رسمي، قالت الحكومة الإسرائيلية إن الانضمام للأسطول يمثل انتهاكاً للقانون الإسرائيلي، ومن ثم يعرض الضالعين فيه للحرمان من دخول إسرائيل لمدة عشر سنوات، وإلى مصادرة معداتهم، فضلاً عن عقوبات أخرى لم تحددها. وأعلنت الحكومة أن الحرمان من الدخول لإسرائيل، ينطبق أيضاً على المراسلين الصحافيين المصاحبين للأسطول. لكن الأهم من التصريحات نفسها، هو أن القاصي والداني في العالم، صار على علم بأن إسرائيل تهدد حرية الصحافة وتتحرش بالنشطاء المدنيين.
أما الموقف الأميركي، فهو لا يقل فضائحية عن الموقف الإسرائيلي، ليس فقط لدفاعه المستميت عن انتهاكات إسرائيل وإنما، وهو الأهم، لانحيازه لإسرائيل حتى لو كان الطرف الآخر هو المدنيون الأميركيون! فوزارة الخارجية الأميركية التي من أولى مهامها، كأي وزارة خارجية في العالم، الدفاع عن الأميركيين في الخارج.
والتي تقيم فعلاً الدنيا ولا تقعدها إذا ما تعرض مواطن أميركي لمكروه في أي مكان، إذا بها تستثني «المواطنين الأميركيين» من تلك الحماية، إذا كان الطرف الآخر هو إسرائيل! فبدلاً من أن تحذر وزارة الخارجية الأميركية إسرائيل من المساس بالمدنيين الأميركيين الموجودين على متن السفينة الأميركية، إذا بوزيرة الخارجية بنفسها تحذر هؤلاء المدنيين الأميركيين من الانضمام للأسطول، الذي «يحاول أن يستفز إسرائيل عبر دخول المياه الإقليمية الإسرائيلية، ويخلق وضعاً يكون للإسرائيليين فيه حق الدفاع عن النفس».. أي والله!
ومعنى ذلك أن وزيرة الخارجية، تدعم «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» ضد مدنيين أميركيين عزل، لا يحملون سوى مساعدات إنسانية وخطابات تعاطف من شتى أنحاء العالم، موجهة للفلسطينيين المحاصرين في غزة، وهم لا علاقة لهم لا بانتهاك القانون الإسرائيلي، ولا بالمياه الإقليمية الإسرائيلية. وهؤلاء المدنيون الأميركيون وغير الأميركيين، لم ولن ينتهكوا القانون وإنما يناهضون الاحتلال، فوجهتهم هي المياه الإقليمية لغزة لا لإسرائيل، ويهدفون لفك الحصار البحري عن أهالي القطاع.
ومما صار ممجوجاً في الموقف الأميركي، هو أننا لم نسمع أبداً أن الولايات المتحدة نطقت بكلمة واحدة عن حق أية دولة في الدفاع عن نفسها، باستثناء إسرائيل، بينما الأخيرة لا تدافع عن نفسها في وجه الأسطول، وإنما تدافع عن الحصار الذي تفرضه على أهل غزة.
لكن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية، بموقفها هذا المدافع بالمطلق عن إسرائيل، لم تنجح في الحقيقة في حماية إسرائيل. وإسرائيل نفسها فشلت هي الأخرى، إذ لم تنجح أي منهما في إلحاق الهزيمة بأسطول الحرية. فقصة الأسطول بمثابة حدوتة، يدين من خلالها المدنيون على متن تلك السفن سياسات الاحتلال الإسرائيلي، ويأملون من خلال تكرارها كل عام، أن يستيقظ ضمير العالم. صحيح أن المدنيين المبحرين فعلاً مع الأسطول أعدادهم لا تزيد على الثلاثمائة، إلا أن المشاركين في جمع المساعدات وفي الترتيب لخروج القافلة من شتى أنحاء العالم، يعدون بالآلاف.
أما المتابعون على صفحات الجرائد وشاشات التلفاز لما يجري طوال رحلة الأسطول الطويلة، فيعدون بالملايين. ومن هنا، فكلما عرقلت إسرائيل رحلة الأسطول، صار ذلك حدثاً جديداً يستدعي تركيز الأضواء الإعلامية عليه، ومن ثم على حدوتة غزة.
بعبارة أخرى، سواء نجح الأسطول أو لم ينجح في الوصول إلى غزة وكسر الحصار البحري المفروض عليها، فإن المؤكد أنه قد نجح فعلاً في كسر جدار الصمت المفروض على ما يجري للفلسطينيين تحت الاحتلال. فالواضح أن الصلف الإسرائيلي المدعوم أميركياً، قادر على الاستمرار في الهدم والحصار ونهب الأرض، ولكنه يقف عاجزاً تماماً إزاء التضامن الإنساني مع الفلسطينيين حول العالم.