مع اقتراب اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني في 29 سبتمبر 2011، تزداد حدة المعركة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فالإعلان عن دولة فلسطين المستقلة على أرض فلسطين، يشكل خطراً وجودياً على دولة إسرائيل والحركة الصهيونية معاً. وهما يعتبران أن الاعتراف الأممي بدولة فلسطين المستقلة، ينسف أحلام اليهود التوراتية بقيام إسرائيل الكبرى وطرد جميع العرب من «أرض الميعاد».
في هذاالمجال، لا بد من التذكير بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة اعتمدت في اجتماعها السنوي بتاريخ 30 نوفمبر 2010، وبأغلبية ساحقة من الأصوات، ستة مشاريع قرارات بمناسبة يوم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني. لكن الولايات المتحدة صوتت إلى جانب إسرائيل وقلة من الدول، ضد مشاريع القرارات التي تناولت الموضوعات التالية:
تأكيد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، ودعوة الأمم المتحدة إلى تحمل مسؤولياتها لدعم عملية السلام في الشرق الأوسط، خاصة الحل المقترح على أساس الدولتين، مع ضمان حق إسرائيل في الوجود ضمن حدود آمنة، وتعيش جنباً إلى جنب مع دولة فلسطين المستقلة. على أن تواصل الأمم المتحدة جهودها لتثبيت الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومساعدة الفلسطينيين على إدارة شؤونهم الداخلية. وشددت الجمعية العامة على عدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان السورية.
وعدم الاعتراف بما تقوم به إسرائيل من تغيير لطبيعة القدس، كمدينة تاريخية مقدسة لدى جميع الأديان. وأكدت أن ادعاء إسرائيل بأن مدينة القدس عاصمة أبدية لها، هو ادعاء باطل، وبالتالي لا بد لأي حل شامل وعادل ودائم للصراع العربي - الإسرائيلي، من أن يأخذ في الحسبان المخاوف المشروعة للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لضمان الأماكن المقدسة في مدينة القدس. ورفضت الجمعية العامة بصورة جازمة مبدأ القبول ببناء مستوطنات إسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، وأكدت مجدداً عدم اعترافها بشرعيتها.
ودعت منظمات المجتمع المدني لدى الجانبين، إلى لعب دور فاعل لتنفيذ حل الدولتين بالطرق السلمية. على جانب آخر، صدرت في العام 2010 وحتى منتصف العام 2011، قرارات عدة طالبت بجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، والعمل على تفعيل النظام الدولي لمنع انتشارها، من خلال توقيع اتفاقيات ملزمة لجميع الدول التي تمتلك أسلحة نووية، ودعت إسرائيل وإيران إلى وضع مؤسساتهما النووية تحت إشراف منظمة الطاقة الدولية التابعة للأمم المتحدة.
ورأت أن مراقبة السلاح النووي في منطقة الشرق الأوسط، يشكل مدخلاً ضرورياً لضمان أمن المنطقة، وجعلها خالية تماماً من أسلحة الدمار الشامل، وذلك يتطلب إلزام إسرائيل بالانضمام الفوري إلى معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.
ودعت الصين وروسيا ودول أخرى، أطراف النزاع، إلى التعاون التام مع المجتمع الدولي، لتحقيق السلام والأمن والاستقرار في هذه المنطقة الاستراتيجية والبالغة الأهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي.
لكن الوقائع الدامغة تشير إلى أن إسرائيل وحلفاءها الأميركيين وفي بعض دول الاتحاد الأوروبي، يسيرون في الاتجاه المعاكس من طريق تأجيج الصراع العسكري في هذه المنطقة، بموجب نظرية «الفوضى الخلاقة» لإسقاط الأنظمة العربية القائمة، ومنع قيام أي نظام جديد معاد للتحالف الأميركي ـ الإسرائيلي. لذا يشن هذا التحالف حرباً شرسة لمنع الجمعية العامة للأمم المتحدة من الإعلان عن دولة فلسطين.
ففي تصريح له بتاريخ 9 يوليو 2011، نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن نائب وزير خارجية إسرائيل، داني أيالون، قوله: إن أي قرار قد تتخذه الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بدولة فلسطين المستقلة، لن يعدو كونه حبراً على ورق، وسيضم إلى سلسلة القرارات المعادية لإسرائيل والتي أقرت بموافقة أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة.
في السياق نفسه، بدأت الولايات المتحدة حملة تهديد لمنع الفلسطينيين من إيصال مشروع الإعلان عن دولتهم المستقلة إلى الجمعية العامة، فأصدر مجلس النواب الأميركي قراراً بتاريخ 8 يوليو 2011، وبأغلبية ساحقة، بوقف المساعدات الأميركية عن الفلسطينيين في حال أصروا على طلب الاعتراف بدولتهم في الأمم المتحدة، أي خارج التفاوض مع إسرائيل. وردت السلطة الفلسطينية على الفور بأن القرار يظهر مجدداً الانحياز الأميركي الدائم إلى جانب إسرائيل، ويشكل موقفاً إضافياً للمشرعين الأميركيين يؤكد ذلك الانحياز.
ويرى عدد كبير من المعلقين أن التهديد يخالف كل الأعراف الدولية، ويهدد مصالح الولايات المتحدة الأميركية في هذه المنطقة. وهو يظهر تناقضاً صارخاً بين ادعاء الولايات المتحدة دعمها لحق الشعوب العربية في تقرير مصيرها بنفسها من جهة، وانحيازها الأعمى إلى دولة تمارس الانتهاك اليومي لحقوق الإنسان العربي في فلسطين من جهة أخرى.
كما أن التهديد بمنع المساعدات عن الشعب الفلسطيني، يثير اشمئزاز كل أحرار العالم، لأنه يعاقب شعباً على موقف بديهي لقيادته التي تطالب بأبسط الحقوق التي ضمنها له ميثاق الأمم المتحدة، علماً بأن المنظمة الدولية اعترفت بولادة إسرائيل بعد أن ربطت هذا الاعتراف باحترامها لحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
وما زالت الأمم المتحدة ملزمة بتنفيذ قرار التقسيم وحل الدولتين. ودعا بعض الباحثين أعضاء الكونغرس الأميركي للتمتع بالجرأة الأدبية في الكشف عن حجم المساعدات الهائلة التي تقدمها الإدارة الأميركية إلى إسرائيل، ويتحمل أعباءها دافعو الضرائب الأميركيون. وطالبوا دعاة نشر الديمقراطية الأميركية في الشرق الأوسط، بإبراز صدقيتهم عبر إلزام إسرائيل باحترام مبادئ الديمقراطية، وتطبيق القرارات الدولية، وإنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية وباقي الأراضي العربية المحتلة.
هكذا بات واضحاً أن اللوبي الصهيوني يمارس ضغوطاً متزايدة على الإدارة الأميركية، لمنع قيام دولة فلسطين المستقلة بموجب قرار يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2011. وتشن إسرائيل إلى جانب الإدارة الأميركية وبعض الإدارات الأوروبية، حرباً شرسة ضد المتضامنين مع القضية الفلسطينية. فمنعت قافلة سفن الحرية الثانية من الوصول إلى غزة، بعد أن طاردتها السلطات اليونانية والتركية والقبرصية مجتمعة.
ومنعت آلاف النشطاء العالميين من المجيء جواً إلى إسرائيل لإعلان تضامنهم مع الشعب الفلسطيني من داخلها. فهل يتحرك العرب لاحتضان حملة التضامن العالمية مع فلسطين، لإظهار وجه إسرائيل البشع أمام العالم كدولة يهودية عنصرية ذات طابع استيطاني استعماري، خبرته الشعوب العربية لأكثر من مائة عام وتحررت منه بالمقاومة الصلبة دفاعاً عن حرية العرب وسيادتهم واستقلالهم؟