في أزمنة مرت، تعلمنا أن تأثر بعض البلدان العربية بثقافة معينة في الملبس والسلوك والتفكير ونمط الحياة، بل والإقبال على نوع معين من السلع وارتباطها به وانتشاره بين أبنائها، سواء في المغرب أو المشرق العربيين، يعود في جانب كبير منه إلى احتلال الدول الغربية لأراضي البلدان العربية على مدار عقود استطاعت خلالها فرض ثقافتها ونمط قيمها والترويج لمنتجاتها، عبر استغلالها للمواد الخام بأبخس سعر، ثم تعيد تصنيعها وتصديرها إلينا مرة ثانية. وإن كانت هناك دول عربية أخرى وقعت فريسة لأنماط متعددة من الحملات والاحتلال العسكري لفترات ليست بالقليلة، إلا أنها خرجت من عباءة المحتل بعد تعافيها لفترة وجيزة وعادت إليها الروح ونما وعيها الكامن.

الشاهد أنه في أيام خلت كان لزاما على الدول الكبرى، إذا أرادت أن تفتح لبضاعتها أسواقا في دول أخرى أو فرض ثقافتها وأسلوب حياتها، أن تلجأ إلى وسائل مختلفة أبرزها - عبر التاريخ - الحملات العسكرية التي قد تطول أو تقصر، لتحقيق أهداف لم تتغير في جوهرها بعد مرور قرون من الزمان، ولكن التغيير حدث في الأسلوب والطريقة، وإن ظل صلب الموضوع باقيا.

وما أقوله ليس محض إيمان بنظرية المؤامرة، وإن كانت ذات اعتبار في تفسير الكثير من الأحداث. إن الدول الكبرى لم تعد بحاجة إلى تجيييش الجيوش وتعبئة القوة العسكرية للسيطرة الثقافية، أو فتح أسواق لبضاعتها، أو نهب خيرات البلدان المستعمرة، بعد أن تم تقنين ذلك عبر اتفاقيات دولية تجعل من يخرج عليها ويأبى أن يكون طرفا فيها، كمن يغرد خارج السرب.

استطاعت هذه الاتفاقيات أن تخفض الرسوم الجمركية، فضلا عن إزاحة القيود غير الجمركية، وإزالة الحدود والحواجز أمام الانتقال الحر للسلع بين مختلف الكيانات الدولية، لينشأ نوع من المنافسة غير المتكافئة، والمحسومة نتائجها مسبقا لصالح طرف حدد قواعد اللعبة بشكل متقن، وأعطاها الشرعية الدولية عبر مؤسساته.

كل هذا نعلمه ونراه ماثلا أمامنا، وإن كان هناك من يرى أن هذا نوع من المنافسة التي تقتضي منا أن نكون على قدر المسؤولية والتحدي، وتدفعنا إلى أن نجود بما لدينا لكي نستطيع أن ننافس عالميا في زمن بات فيه البقاء للأفضل. وليس من الشجاعة التستر وراء ترسانة من القوانين المحلية، تحافظ لشعوبنا على صناعات رديئة بعيدة عن الحدود المقبولة من الجودة. وقد تكون لهذا الرأي وجاهته.

ولكن ما أود الإشارة إليه هو أن الأمر لم يتوقف فقط عند الجانب التجاري، وإنما ارتبط بأشياء أخرى، ومنها أن الدول الكبرى في إطار تحقيق هذه الأهداف، اعتمدت على آلة إعلامية جبارة ورسالة مبهرة أنفقت عليها بسخاء، وسخرت أحدث التقنيات للتغلب على مقاومة المستهلك وسلب إرادته.

فضلا عن خلق حاجة لم تكن موجودة أصلا والسعي إلى إشباعها. ولم يكن من الممكن أن يتحقق ذلك لولا قيامها قبل الترويج لهذه المنتجات، بالترويج لقيم ومعايير ونمط سلوكي محدد، بل وزرع أنماط جديدة، لا لتعزيز الثقافة الاستهلاكية فحسب، وإنما لتنشئة جيل جديد مختلف من حيث الذوق والمفاهيم الفنية والجمالية، وذلك من خلال توحيد وتعميم أنماط ثقافتها على شعوب العالم، مهما تعارضت ظروفها وأوضاعها الاقتصادية، ومهما كانت خطورة النتائج في الأخير على مستقبلها.

وهذا هو لب الموضوع؛ أن الآلة الإعلامية للدول الكبرى لكي تروج لمنتج، حرصت على أن توحد نمط الحياة بين الشعوب، وعلى التأثير في عقل الإنسان للوصول إلى حافظته، ليحل التجانس العالمي في الثقافة والملبس والمأكل ونمط الحياة، بديلا عن التجانس الوطني في الذوق والسلوك والقيم، وهو أحد أهم أسباب متانة النسيج المجتمعي والحفاظ على وحدته وترابط مكوناته.

إن الكيانات الاقتصادية الدولية لم تدخر جهدا في مسخ الكل في واحد، تحت ما يسمى القيم العالمية أو الذوق العالمي أو السلوك العالمي. وأذكر بما قاله أحد أهم منظري العولمة "توماس فريدمان"، في كتاب له بأنه "لن تقوم حرب بين دولتين فيهما مطعم ماكدونالد".

ما يعني أن أسباب الاختلاف التي توجب الصراع، انتفت في ظل وجود الإنسان المعولم ذي الانتماء الواسع للكرة الأرضية برمتها، بعيدا عن الحدود الوطنية. ودعونا نعترف بأن وسائل الإعلام استطاعت أن تنجح في ذلك إلى حد كبير، وآية ذلك حين دخل أحد الآباء إلى متجر للملابس راجيا البائع أن يبحث لابنه عن قميص يحمل صورة المغني الأمريكي "مايكل جاكسون"، والأكثر من ذلك أنني وجدت الطفل يطلب من والده أن يناديه "مايكل" وهو يرتدي هذا القميص!

هذا على مستوى الملبس، كذلك في الذوق والجمال؛ ففي صالون للحلاقة دخل شاب أشعث الرأس، قلت لا بأس فقد جاء ليهذب شعره ويكرمه، ولكني وجدته يطلب أن يرش شعره بمثبت لهذا الشعث باعتباره شيئا جميلا يجب تثبيته! فقلت في نفسي؛ من المسؤول عن انحراف الذوق وقيمة الجمال لدى شبابنا؟

إننا نعيش عصرا انفتحت سماواته وتكسرت جدرانه، وتوارى الدور التنموي الذي كنا نود لوسائل الإعلام في عالمنا العربي أن تقوم به، بعيدا عن النظرة التجارية التي تدغدغ مشاعر المراهقين وصغار السن، وهم مستقبل الأمم وذخرها. لذا فإن هذا الإعلام يتحمل جانبا من المسؤولية عن حالة التغير القيمي والتأثير على الأخلاقيات والسلوك، بعيدا عن المراقبة والمحاسبة، والإغراق في التقليد والترفيه، لكي نصاب بحالة من الاسترخاء والكسل الذهني.

إننا بحاجة لوضع خارطة طريق لمواجهة هجمة التسطيح والمسخ، التي يقوم بها بعض وسائل إعلامنا وتذهب بشبابنا بعيدا عن حالة مجتمعاتنا وثوابتنا التي هي سر بقائنا وتميزنا، تحت دعاوى الحرية والانفتاح على الآخر، وهنالك شعرة دقيقة بين الحرية والانفلات، وبين الانفتاح على الآخر والذوبان الثقافي وضياع الهوية.

ولست بذلك أدعو إلى أن تكون برامجنا التليفزيونية برامج للوعظ ومقالات الصحف مغرقة في الإرشاد والتوجيه، وأن ننغلق على أنفسنا وكأننا مصابون بداء فقدان المناعة الثقافية، ولكنني أقول إن الجمع بين الإعلام الجيد الذي يسلي ويمتع النفس والعقل، ليس قضية صعبة ولكنها تتطلب منا أولا إرادة الفعل وعدم الاستسهال، إضافة إلى القدرات البشرية المؤهلة فكريا ونفسيا، والتي تعي خطورة الدور الذي تقوم به الرسالة الإعلامية التي تتجاوز آثارها ملايين البشر وتؤثر في مستقبل أمم وشعوب. إن القيمة الحقيقية للإعلام، هي أن يكون إعلاما للقيم في زمن بضاعته المسخ.