في مقالة سابقة تطرقنا إلى أهمية أن يقوم العرب بدعم قطاع السياحة في مصر وتونس إثر تعرض هاتين الدولتين إلى أحداث أدت إلى إلغاء العديد من الحجوزات والرحلات السياحية إلى العاصمتين العربيتين. وهذا القطاع يمثل أهمية كبيرة بالنسبة لدول مثل تونس ومصر والمغرب ولبنان وسوريا.
غير أن السياحة ليست كل شيء. والنظر إلى دولة عربية تتعرض لأي شكل من الخسائر أو المصائب نظرة المتفرج، تعني أن النخوة العربية قد ولت دون رجعة. وهذا أمر خطير. خاصة مصر وتونس وسوريا، التي وقفت مع العرب في كل ظروفها وضحت بكل ما لديها لنجدتها واستقلالها، ينبغي الوقوف معها اليوم أكثر من أي وقت آخر. فمصر وتونس وسوريا تعتبر دعامات الوطن العربي التي لا يقوم البيت إلا عليها. فإن سقطت واحدة منها سقط البيت بأكمله.
ما قدمته دولة الإمارات العربية المتحدة للشقيقة العزيزة مصر الأسبوع الماضي أمر ليس بجديد على الإمارات التي لم تبخل في تاريخها على الأشقاء العرب، وخاصة مصر، سواء في السراء أو الضراء، ورغم الشائعات والمزايدات الإعلامية وما قيل وقال حول علاقات مصر والإمارات بعد الثورة المصرية، فإن القيادة الرشيدة الواعية في دولة الإمارات.
والتي اعتادت ألا تخوض في المهاترات ولا تستعرض كرمها على أشقائها العرب، اقتدت حكمتها أن تقدم الدعم المناسب في الوقت المناسب، ورغم حجم الدعم الإماراتي الكبير للشقيقة الكبرى مصر، فنحن على يقين أن هناك مازال المزيد والمزيد بعد استقرار الأوضاع في مصر إنشاء الله.
وفي انتظار ما قد تصل إليه الأمور في كل من سوريا واليمن وليبيا، فإن العرب جميعا مطالبون بالنظر في دعم التغيير الذي تم في مصر وتونس.
هاتان الدولتان تمران اليوم بظروف حاسمة وصعبة، وبغض النظر عن الماضي الذي انتهى ولن يعود، فإن النظر إلى مستقبل واستقرار هاتين الدولتين يجب أن يكون ضمن مسؤولية ليست فقط المصريين وإنما العرب والمسلمون جميعا حيثما كانوا.
الدعم الشفوي والمعنوي لا يملأ الأمعاء. وكما وجدنا أن كل دول أوروبا باختلاف طوائفها ولغاتها ومصالحها وقفت صفا واحدا لدعم اقتصاد جمهورية اليونان خلال أزمتها الحالية، فمن الأحرى بنا نحن العرب أن نقف مع هؤلاء الذين تربطنا بهم أواصر الدم واللغة والدين والمستقبل.
وحيث إن دول الخليج النفطية لا تدخر جهدا للوقوف إلى جانب أخوتها هنا وهناك، فالمطلوب منها اليوم هي بالذات دون غيرها الوقوف إلى جانب هاتين الدولتين، وما قدمته دولة الإمارات الأسبوع الماضي يجب أن يكون نموذجا يقتدي به الآخرون، فمصر وتونس بحاجة للمزيد والمزيد، كما أنهما بحاجة لتشجيع الاستثمارات الخليجية للتوجه لأسواقهما التي هي في أمس الحاجة الآن للاستثمارات العربية بالذات قبل الأجنبية حتى تحتفظ بقرارها السياسي مستقلا لا يخضع لإملاءات وشروط أجنبية توجهه لمصالحها الخاصة.
الوطن العربي، سواء في مصر أو في المغرب أو حتى في السودان يمتلك من مقومات الاستثمار ذي المردود الضخم بما يفوق الاستثمار في الدول الغربية. فمعظم الموارد العربية غير مستغلة استغلالا جيدا. فقطاع الصناعة مثلا ما زال يعاني من الإهمال والجمود وعدم التقدم.
بينما الأيدي العاملة في مصانع فرنسا وألمانيا تقوم أساسا على الأيدي العاملة العربية المستقدمة بأسعار زهيدة من المغرب العربي أو تركيا. وهي أيد ماهرة وقادرة على الإنتاج. وإلا يا ترى كيف نجحت الماركات الأوروبية لولا الأيدي العربية التي تدربت هناك؟
والكل يعلم أن فرنسا تخطط منذ زمن طويل بتصدير مصانعها إلى الهند وشرق آسيا لوفرة الأيدي العاملة الرخيصة. فماذا لو أن الدول الخليجية النفطية قررت بجرأة ـ من مبدأ أن رأس المال جبان ـ استثمار 15 % فقط من إيراداتها النفطية في افتتاح بضعة مصانع في مصر وتونس؟ لا شك أن هناك مصاعب وعقبات وخسائر لا بد من تحملها في بداية كل مشروع. غير أن النتائج مضمونة لو تمت تحت مراقبة دقيقة.
إن مثال دولة شرقية ككوريا الجنوبية بدأت من الصفر، ووصلت اليوم وفي مدة زمنية قياسية لتصبح منافسا خطيرا للصناعات اليابانية والفرنسية والألمانية. ترى هل يوجد بيت في الدول العربية لا يحتوي على جهاز أو سيارة من صناعة كورية؟ إنهم بدؤوا بالجرأة والخسارة حتى أصبحوا أساتذة في فن المنافسة.
إن مصر وتونس وليبيا وسوريا لا تملك فقط الأيدي العاملة الرخيصة والماهرة، بل فيها مهندسون وفنيون وخبراء في مجال الصناعات والتقنية هاجروا إلى الغرب لسبب أنه لم يتم استثمارهم في بلدانهم. وتحملوا مرارة الغربة لسد حاجاتهم اليومية وليس حبا في الهجرة. وهم أكثر استعدادا اليوم للعودة إلى أوطانهم التي ولدوا فيها خاصة بعد تغير الأحوال وبدء تطبيق سياسات محاربة الفساد وفتح المجال لكل المواطنين لضمان حقوقهم المدنية والسياسية والمادية؟
إن الثورات لا تخرج دائما من المعدة الخاوية، بل في أحيان كثيرة من تخمة الفراغ. لا بد من استغلال الطاقات العربية المهدرة، واستثمارها أفضل استثمار، ولن تقوم بعدها ثورة ولا انتفاضة ولا دبابات تقتل مواطنيها في الميادين العامة.
إن الدول الخليجية النفطية سباقة إلى مثل هذه المبادرات، ودولة الإمارات بالتحديد نموذج واضح في هذا المجال، ويهمها استقرار هذه البلدان القلقة هذه الأيام بقدر ما يهمها استقراها هي ذاتها. إن الاضطرابات المستمرة في سوريا تؤثر في كل الوطن العربي، وعدم الاستقرار في اليمن هو عدم استقرار في الجزيرة العربية، وقنابل الناتو التي تضرب ليل نهار المدن الليبية أشبه ما تكون تضرب البنية التحتية لكل العرب.
علينا أن نبني بعضنا بعضا. حتى لا نعيش على هامش التاريخ. وخير وسيلة للاستقرار والتقدم والبناء هي استخدام مواردنا بشكل صحيح وتوجيهها لاستثمارها في أرضنا الطيبة المعطاءة دائما بالخير....