ربما جاءت تسمية (الدولة الأمنية) من سيطرة أجهزة الأمن على مرافق الدولة الأساسية والثانوية، وهيمنتها على المجتمع، واستيلائها على صلاحية اتخاذ القرار بدلاً عن الشعب، بل وتسلطها على الحكومة نفسها، ولا تكتفي أجهزة الأمن في الدولة الأمنية بقمع المواطنين فقط، بل تهيمن أيضاً على الحياة والمجتمع وفعالياته ونشاطه، أي تحل محل السلطات جميعها.

عندما تتماهى أجهزة الأمن مع الحكومة تهمل العمل بمفاهيم الدولة الحديثة جميعها، أعني مفاهيم مرجعية المواطنة واحترام الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وتداول السلطة وفصل السلطات وغيرها، وتتحول الحكومة إلى حكومة سلطوية، والسلطة إلى سلطة قمعية فقط، وتتلاشى أية علاقات مدنية أو مجتمعية بمعزل عن السلطة الأمنية، أو علاقات ديمقراطية أو تمثيلية في إطار الدولة، ذلك لأن أجهزة الأمن، في مثل هذه الدولة، تعطي لنفسها الحق بتولي كل شيء بالنيابة عن الشعب، وإقرار كل شيء مجتمعي أو رسمي، حسب معاييرها ومفاهيمها التي لا ترى في المجتمع سوى التآمر واستعمال العنف والقهر.

تبدأ تطبيقات الدولة الأمنية عادة عندما تتسلم فئة الحكم بطريق غير مشروعة وغير ديمقراطية، وبالتالي لا تمثل الأكثرية، خاصة إذا وصلت بطريق الانقلابات العسكرية، ويخشى النظام من الآخر صاحب الحق في السلطة أو في الشراكة فيها، ويرى أن يحصن نفسه ضد أي محاولة من هذا الآخر لتولي السلطة وسلبها منه، فتتماهى عندها الحكم والسلطة وأجهزة الأمن بعضها مع البعض الآخر، وتصبح جميعها كتلة واحدة متحفزة للمواجهة، ولأن المواجهة بالطرق الديمقراطية لها شروطها وتحتاج لتأييد شعبي يصعب تأمينه فتوكل هذه المهمة إلى أجهزة الأمن، التي تضاعف عندها أعداد العاملين فيها من جهة وتوسع مهماتها لتشمل جوانب عديدة من حراك الإدارة والمجتمع السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جهة أخرى، وتجدها فرصة للابتزاز والمصادرة والقمع والتحكم بحياة الأفراد والمجتمع ومؤسسات المجتمع المدني فضلاً عن الأحزاب والتيارات السياسية.

تلغي هذه الأجهزة مفهوم المواطنة كمرجعية وحيدة وأساسية للمواطنين لأن هذه المرجعية تؤكد المساواة التي لا ترغبها الأجهزة الأمنية. وتستعيض عنها بمرجعيات أخرى قادرة على التلاعب بها كالمرجعيات المذهبية والطائفية والإقليمية والعشائرية وغيرها، ويتم لها ذلك بتوزيع الامتيازات بحسب مصالحها ورغباتها، وإفساد الناس وكسب ولائهم، وينتج عن ذلك انتهاك المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وغيرها، ولئلا تقع مسؤوليات قانونية ما على هذه الأجهزة تعمل على إصدار قوانين مناسبة لها والتلاعب بهذه القوانين.

وتعطي لنفسها حق اختيار ممثلي الشعب في المجالس التشريعية والمجالس البلدية أيضاً لإبعاد معارضتهم لها من جهة وتحويلهم إلى وسيلة بيدها من جهة أخرى، والأمر نفسه بالنسبة إلى السلطة التنفيذية وإدارات الدولة ومسؤوليها، ويصبح اعتماد ولاء الشخص على حساب كفاءة الآخر تقليداً يشبه القانون، وهكذا يُعزل الأكفاء ويبجل الموالون مهما كانت إمكانياتهم متواضعة.

ويسعى هؤلاء بطبيعة الحال إلى إرضاء الأجهزة الأمنية التي اختارتهم فيطلقون يدها في السيطرة والوساطة والابتزاز والرشوة ومخالفة القانون في الإدارات التي يرأسونها. وتتدخل أجهزة الأمن في شؤون القضاء لتجبره على معاقبة المعارضين، فتذهب استقلالية القضاء أدراج الرياح ومثلها الفصل بين السلطات. وفي الوقت نفسه تعطي لنفسها الحق باستخدام وسائل القمع بلا حدود وبدون رقابة أو خشية من العقاب أو المحاسبة، كما تمنح لنفسها الامتيازات التي تريدها وتوزع هذه الامتيازات على عناصرها بدون حق طبعاً، وتتحول إلى فئة متميزة عن غيرها من خلال هذه الامتيازات (السيارات والرواتب والتعويضات والمهمات والهيمنة والنفوذ وامتلاك العقارات والمزارع بدون حق) وغيرها.

تتحالف أجهزة الأمن في الأنظمة الشمولية عادة مع الأغنياء الجدد (أغنياء الصفقات والفساد) الذين يعملون جاهدين لإدخال ضباطها وقادتها في أوساطهم ويرشدونهم على أفضل السبل للاستثمار والغنى غير المشروع كي يصبحوا جزءاً منهم، فيدافعون عن مصالح هؤلاء الأغنياء بالمرحلة الأولى من خلال السياسات التي يطبقونها، ثم يساعدونهم على أن يكونوا شركاء حقيقيين في السلطة واتخاذ القرار مباشرة أو مداورة.

وهكذا نلاحظ أن الدولة الأمنية تتكون تدريجياً من خلال نقطة انطلاق بسيطة هي حماية نظام غير ديمقراطي و(أقلوي) شعبياً، ومن خلال إطلاق يد أجهزتها بزعم أنها ستحمي هذا النظام وتتيح له رسم حياة الناس والمجتمع والسياسات وغيرها. وقد تبدأ هذه الأجهزة بممارسة القمع في المرحلة الأولى لتخويف الناس وإسكاتهم والسيطرة عليهم ثم تتحول إلى دولة أمنية ذات أذرع عديدة تصل إلى جميع جوانب الحياة السياسة والإدارية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد.

تعمد أجهزة الأمن، لتخويف المعارضة أو المنتقدين وإسكاتهم، إلى قمعهم المباشر وتلفيق التهم لهم والإساءة إلى سمعتهم بطرق غير أخلاقية أو بطريق الإشاعة، وإن تعذر ذلك تتهمهم بالعمالة للأجنبي، ودس الدسائس لديه، بدون تحقيق أو محاكمة أو بطريق محاكمات صورية، لا تستوفي أي شرط من شروط المحاكمة العادلة، وعندما تغرق أجهزة الأمن في الفساد والقمع وتصل درجات متقدمة فيه لا يعود يؤثر عليها لا قانون ولا ضمير ولا منطق، ولا تتورع عن أية تهمة تتهمها للغير أو ارتكاب أية جريمة مهما كانت قاسية أو مضحكة أو كاذبة. لعل هذه هي بعض المواصفات النمطية العامة والرئيسة للدولة الأمنية في الأنظمة الشمولية التي تكون عادة من نوع واحد لكنها تختلف بالدرجة، وبشكل عام فإن مفهومها لا يعني أنها أجهزة قمع فقط بل أجهزة تمتلك نظاماً كاملاً مسيطراً على إدارات الدولة وجوانب الحياة الاجتماعية كلها.